شدد عطية الله حسن روحاني، رئيس جمعية شعلة المحبة والسلام، على أن التسامح يمثل "الحصن الأخير الذي يحفظ للإنسانية إنسانيتها"، محذراً من إهمال هذه القيمة، وداعياً إلى ترسيخها في وجدان الأجيال القادمة، وتلقينهم أن "الاختلاف ليس عيبا، وأن الحوار ليس تنازلا، وأن الرحمة ليست ضعفا".
وخلال الفعالية التي أقيمت مساء الأربعاء الماضي تحت شعار (بالسلام نسمو، وبالتعايش نرتقي)، بمناسبة (اليوم الدولي للتسامح والتعايش بسلام)، والتي نظمتها الجمعية بالتعاون مع الجامعة الخليجية بإشراف الدكتورة بثينة خليفه قاسم، سادت أجواء تعكس روح السلام والمسؤولية الإنسانية تجاه قيم التعايش.
من جانبها، أكدت الشيخة مريم بنت حمود آل خليفة، القائم بأعمال مدير إدارة التعايش بمركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، أن "التسامح هو البداية، ولكنه ليس نهاية الطريق". وأوضحت أن جوهر التعايش لا يقتصر على مجرد قبول الآخر، بل يتجاوز ذلك إلى التعرف عليه وفهمه واحترام خصوصيته والعمل معه لتحقيق المصلحة المشتركة. ورأت أن تقدم المجتمعات لا يُقاس بالإنجازات المادية فحسب، بل أيضاً بقدرة المجتمع على احتضان التنوع الداخلي.
واستعرضت الشيخة مريم التجربة البحرينية بوصفها "إرثا إنسانيا توارثته الأجيال"، حيث تعايشت ثقافات وأديان متنوعة في أحياء المملكة ومدنها، تجمعها روابط الاحترام وحسن الجوار والانتماء المشترك، تحت مظلة رؤية جلالة الملك المعظم الذي جعل من تعزيز التعايش والتسامح رسالة وطنية وعالمية. وأشارت إلى أن المركز يسعى لنقل هذه التجربة من واقع محلي إلى رسالة عالمية مشتركة عبر آليات التعليم والتدريب والحوار وبناء الشراكات.
فيما دعت د.مريم فاتي، نائب رئيس الجامعة الخليجية للشؤون الأكاديمية، في كلمة ألقتها نيابة عن رئيس الجامعة د.مهند المشهداني، إلى جعل التعليم نقطة الانطلاق نحو مستقبل أكثر أماناً، قائلة: "إذا كنا نطمح إلى مستقبل أكثر سلاما فعلينا أن نبدأ من التعليم". وأضافت أن السلام يجب ألا يبقى مجرد شعار، بل قيمة تُغرس في نفوس الأطفال منذ الصغر من خلال تعليمهم احترام الاختلاف وقبول الآخر.
وتناول الباحث التربوي د.فاضل حبيب في مداخلته بحثه في مرحلة الدراسات العليا حول إدماج مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية، مستعرضاً تجارب دولية ناجحة، منها تجربة (المدارس الصديقة لحقوق الإنسان)، وتجربة مدارس مقاطعة هامبشاير في المملكة المتحدة التي اعتمدت "الراءات الثلاث" (الحقوق والمسؤولية والاحترام) كمحاور أساسية للعملية التعليمية. وأكد أن هذه التجارب رسخت لديه قناعة بأن "الاحترام هو أساس التعايش". كما استشهد بمثال محلي حيث طُبّق مشروع "مدرسة التعاون المدرسة الصديقة لحقوق الإنسان" في مدرسة التعاون الثانوية بمنطقة سند عام 2010.
أما الخبيرة الإعلامية د.هدى المطاوعة، فقد ركزت على دور الإعلام والتكنولوجيا، متسائلة: "نحن اليوم نعيش في عصر التقدم التكنولوجي في جميع الحقول، وعلى الرغم من هذا التقدم نشهد حربا هنا وحربا هناك كل يوم. فلماذا؟". وأوضحت أن تكنولوجيا الإعلام قادرة على توعية الشعوب والقيادات بأهمية توظيفها لخلق السلام والتسامح، لكنها أشارت إلى أن هذا الإبداع التكنولوجي يُستخدم أيضاً في صناعة ألعاب الحروب، حتى إن الطفل "ما يكاد يبلغ 6 سنوات حتى نجده قد أدمن ألعاب الحروب على البلايستيشن". وانتقدت انتشار أعمال فنية تعتمد لغة حوارية غير مهذبة وتروج للعنف والرعب، مثل "The Walking Dead" و"Joker" و"MobLand".
وفي تصريح خاص بمناسبة اليوم الدولي للتسامح، قالت الدكتورة بثينة خليفة قاسم، الأكاديمية والكاتبة الصحفية، إن مملكة البحرين، تحت قيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، تحولت إلى واحة حقيقية للتسامح والسلام والتعايش السلمي.
وأوضحت أن رؤية جلالة الملك المعظم للسلام لم تقتصر على الحدود الوطنية، بل امتدت إلى العالم عبر مبادرات بارزة، أبرزها (إعلان مملكة البحرين) الذي أطلقه جلالته عام 2017 كوثيقة عالمية تدعو لاحترام حرية المعتقد ونبذ الكراهية والتطرف، وتأسيس (مركز الملك حمد العالمي للتعايش السلمي) عام 2018 لنشر هذه الرسالة. وأكدت أن استضافة المملكة لزيارة قداسة البابا فرنسيس عام 2022، ومشاركة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر في (ملتقى البحرين للحوار)، شكلتا شهادة دولية على مكانة البحرين كمركز للحوار بين الأديان والثقافات.
وأضافت أن هذه المكانة التاريخية ليست وليدة اللحظة، فبحرين عرفت التسامح منذ العصور القديمة كجزيرة مفتوحة على التجارة والملاحة، التقى فيها التجار والبحارة من مختلف الثقافات، فتعايش أهلها مع القادمين في ألفة. وأشارت إلى أن أرضها شهدت قيام أول كنيسة في منطقة الخليج العربي مطلع القرن العشرين، ومعبد هندوسي يزيد عمره على مئتي عام، وكنيس يهودي في قلب المنامة، وصولاً إلى افتتاح (كاتدرائية سيدة العرب) عام 2021، أكبر كاتدرائية في المنطقة. وختمت بأن المساجد والكنائس والمعابد تتجاور في أحياء المملكة، ويمارس فيها الجميع شعائرهم بحرية واطمئنان، في ظل قيادة حكيمة جعلت من احترام الإنسان وكرامته أساساً راسخاً لنهج الدولة.