استلهم المخرج الكردي هلكوت مصطفى فيلمه "لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة" من لقاءات جمعته بنساء كرديات خلال سنوات عمله مصورا صحفيا. واستغرق إنجاز الفيلم 9 سنوات، بحث خلالها عن لغة سينمائية خاصة تعبّر عن عوالم هؤلاء النساء.
وتدور أحداث الفيلم حول امرأة كردية تنقلب حياتها حين تسقط مدينتها في قبضة جماعات مسلحة، فتخوض رحلة للدفاع عن أختها وعن حقها في امتلاك قرارها.
وشهد الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي، قبل مشاركته في الدورة التاسعة لمهرجان الجونة، واختياره لتمثيل العراق في المنافسة على ترشيحات أوسكار أفضل فيلم دولي.
وفي حوار مع الجزيرة نت، يتحدث مصطفى عن انتقاله من عدسة المصور الصحفي إلى السينما، وأسباب اختياره التصوير في مدينة الموصل رغم صعوبات الإنتاج، وكواليس بناء اللغة البصرية للفيلم واختيار أبطاله.
كان عرض الفيلم في مهرجان الجونة تجربة خاصة بالنسبة لي. صفق الجمهور عدة مرات خلال العرض، وأكثر ما أثر في نفسي رؤية الدموع في عيون عدد من المشاهدين بعد انتهائه. شعرت أنهم وجدوا ما يشبه تجاربهم في الحكاية، وتفاعلوا مع شخصياتها.
بعد 9 سنوات من العمل على الفيلم، يعني لي هذا التواصل الكثير. فخلال صناعة العمل، تتخيل كيف سيتفاعل الجمهور مع الحكاية، لكن الجلوس بين المشاهدين ومتابعة ردود فعلهم مباشرة تجربة مختلفة.
جاءتني فكرة الفيلم عام 2014، حين كنت أعمل مصورا صحفيا، والتقيت نساء كرديات اخترن المواجهة في وقت كان الخوف فيه يسيطر على الجميع. وقد تركت شجاعتهن أثرا عميقا في نفسي.
للمرة الأولى في حياتي، وجدت نفسي في مكان تتولى النساء الدفاع عنه. وبدأت أتساءل: من هؤلاء الأشخاص؟ وما الذي دفعهن إلى الوصول إلى هنا؟ وبماذا يحلمن؟ وعلى مدار عامين، أجريت مقابلات مع عدد منهن، قبل أن أبدأ كتابة السيناريو عام 2016.
ويرتبط الفيلم أيضا بجذوري الكردية وبتجربتي الشخصية.
ينطلق العنوان من اعتقاد كان سائدا لدى مقاتلي الجماعة المسلحة، بأن من يُقتل منهم على يد امرأة لن يدخل الجنة. وما أثار اهتمامي هو هذه المفارقة؛ فالنساء اللواتي سعت الجماعة إلى سلب حريتهن أصبحن هن أنفسهن مصدر خوف لها.
أردت أن يثير العنوان فضول الجمهور، وأن يدفعه إلى إعادة التفكير في المفاهيم المرتبطة بالقوة. لكن وراء هذه المفارقة تكمن حكاية إنسانية عن امرأة تقاتل من أجل أختها، ومن أجل حقها في امتلاك قرارها واختيار حياتها بنفسها.
استغرقت وقتا طويلا في البحث عن لغة سينمائية تناسب هذه الحكاية. فمنذ البداية، أردت أن يكون الفيلم مختلفا عن أفلام الحرب التي اعتاد الجمهور مشاهدتها، وأن تنبع لغته البصرية والعاطفية من تجارب هؤلاء النساء وطريقتهن في رؤية العالم.
أردت تقديمهن من خلال قدرتهن على اتخاذ القرارات، والخيارات التي يتخذنها، وصمودهن، وما يستطعن تحقيقه في ظل ظروف بالغة القسوة.
وفي العمل مع الممثلين، كان من المهم أن نثق في قدرة التفاصيل الصغيرة على التعبير؛ فنظرة أو لحظة صمت أو رد فعل متحفظ قد تحمل مشاعر قوية. وكان علينا أن نترك للجمهور مساحة ليشعر بتلك المشاعر بنفسه، دون أن نفرضها عليه.
كانت رحلة إبداعية طويلة، عملنا خلالها مع سينمائيين ذوي خبرة للوصول إلى لغة بصرية خاصة بالفيلم. وقد استخدم مدير التصوير، جون إيرلينغ هولمينيس فريدريكسن، قطعا من أقمشة ملابس نسائية وضعها بين جسم الكاميرا والعدسة، لمنح الصور ملمسا بصريا مميزا.
كما عملنا على توظيف الإضاءة وحركة الكاميرا والألوان لتقريب الجمهور من العوالم الداخلية للشخصيات، وإتاحة الفرصة له لفهم مشاعرها وتجاربها النفسية.
ثم أمضينا ما يقرب من عامين في مرحلة ما بعد التصوير، وواصلنا خلالها تطوير هذه اللغة البصرية وصقلها.
أردت أن تكون الموصل شخصية قائمة بذاتها في الفيلم. فقد كنت هناك خلال عملي مصورا صحفيا، وظلت مشاهد المدينة عالقة في ذاكرتي. ورغم إصرار المستثمرين على التصوير في المغرب، شعرت بأن هذه الحكاية لا بد أن تُروى في المدينة الحقيقية التي شهدت أحداثها.
لم يكن الأمر مجرد البحث عن مبانٍ مدمرة تبدو مناسبة للتصوير، فالشوارع والمباني كانت تحمل آثار الأشخاص الذين عاشوا فيها. وكان الحفاظ على هذه الصلة بين الحكاية والمكان أمرا مهما بالنسبة لي. أردت أن يكون للموصل حضورها الخاص وكرامتها في الفيلم.
كما منحت هذه المواقع الممثلين واقعا ملموسا يتفاعلون معه، فاستطاعوا الإحساس بالمكان وفهم الظروف التي تمر بها شخصياتهم.
استغرق اختيار الممثلين عامين، لأنني أردت أن يصدق الجمهور أن بطلة الفيلم قناصة حقيقية، وأن ينعكس ذلك على طريقة حركتها وحملها للسلاح واستجابتها للمواقف التي تواجهها.
خضعت الممثلة آفان جمال لتدريبات على القنص لمدة ٣ أشهر قبل بدء التصوير، واستخدمت خلال أحداث الفيلم بندقية حقيقية من عيار 50. بالنسبة لي، كانت هذه المصداقية الجسدية ضرورية لبناء الشخصية وللفيلم ككل.
أما أحد أصعب المشاهد التي واجهتنا خلال التصوير، فكان مشهدا يتضمن انفجارا، وكان على آفان أن تركض وهي تحمل البندقية الثقيلة. تطلب هذا المشهد مجهودا كبيرا منها ومن فريق العمل بأكمله، سواء على المستوى البدني أو من حيث التنسيق بين عناصر التصوير وتنفيذ المشهد.
كان كل شيء تقريبا في صناعة هذا الفيلم صعبا، وهو أحد الأسباب التي جعلت إنجازه يستغرق تسع سنوات. فمن التعامل مع الأسلحة والتصوير في الموصل، إلى جمع فريق عمل دولي وتأمين التمويل، حملت كل مرحلة من مراحل الإنتاج تحدياتها الخاصة.
وفي الوقت نفسه، علمتني تجربتي في صناعة فيلم "إخفاء صدام حسين" أن الوصول إلى لغة سينمائية أصيلة يحتاج إلى وقت. فعليك أن تستكشف وتطرح الأسئلة، وأن تمنح الحكاية الفرصة لتجد شكلها الفني المناسب.
لقد كانت رحلة شاقة للغاية، على المستويين الفني والشخصي، ولا أعتقد أنني سأخوض تجربة مماثلة بكل هذه الصعوبات مرة أخرى. لكن رؤية الجمهور يتفاعل مع الفيلم ويجد صلة بينه وبين حكايته تجعلني أشعر بأن كل هذا الجهد كان يستحق العناء.
آمل أن تكون السينما قادرة على إحداث هذا التغيير، فهي تساعدنا على رؤية الآخرين من منظور مختلف، وتدفعنا إلى مراجعة أفكار ومواقف اعتدنا التسليم بها دون تساؤل.
أمضيت عامين أتساءل خلالهما عما يجعلني الشخص المناسب لرواية هذه الحكاية. ولهذا كان الاستماع إلى النساء وتجاربهن أمرا أساسيا بالنسبة لي، وكذلك العمل مع مونتيرة تستطيع أن تضيف رؤيتها الخاصة إلى الفيلم.
آمل أن ينجح الفيلم في إظهار قوة هؤلاء النساء وأحلامهن، وحقهن في تقرير مصيرهن واختيار الطريقة التي يعشن بها حياتهن.
أعتقد أن المفتاح يكمن في إيجاد لغة سينمائية أصيلة تنبع من الحكاية نفسها. وقد تعلمت أنه كلما كانت الحكاية أكثر تجذرا في بيئتها المحلية، زادت قدرتها على التأثير في الجمهور العالمي. فالتفاصيل الدقيقة والصادقة تمنح المشاهدين ما يمكنهم التواصل معه، حتى وإن لم يكونوا على دراية بالمكان أو تاريخه.
ويعود جانب كبير من ذلك أيضا إلى فريق العمل الذي يشاركني هذه الرحلة. فنحن نبحث معا عن كيفية الحفاظ على الهوية الخاصة للحكاية، وفي الوقت نفسه خلق تواصل عاطفي مع الجمهور يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.