عقدت النسخة الرابعة من «منتدى الأفلام السعودي» في مدينة الرياض، تحت عنوان «لقاء صُنّاع المشهد»، حيث شهدت فعاليات تجمع بين الأبعاد السينمائية والاقتصادية. وقد اختتمت أعمال المنتدى بإصدار التقرير السنوي لصناعة الأفلام السعودية لعام 2025، الذي أظهر نمواً ملحوظاً في الإيرادات وتجاوز شُباك التذاكر حاجز 920 مليون ريال. كما شملت الفعاليات توقيع اتفاقية لإيداع مجموعة مقتنيات الفنان عبد الله السدحان، والتي تضم مواد أرشيفية ومسلسل «طاش ما طاش»، في الأرشيف الوطني للأفلام بهدف الحفاظ على تراث الدراما الوطنية.
انطلقت فعاليات المنتدى على مدى يومين في استوديوهات «جاكس» بمدينة الرياض، حيث اجتمع تحت مظلة واحدة نخبة من قيادات القطاع وصنّاع القرار والمختصين والمحترفين في مجال صناعة السينما.
وتنوعت أجندة المنتدى لتشمل مؤتمراً يضم جلسات حوارية، ومعرضاً مخصصاً للشركات المرتبطة بقطاع الأفلام، فضلاً عن ورش عمل متخصصة.
بدأ المؤتمر جلساته على المسرح الرئيسي بلقاء حوار حمل عنوان «الإعلام والأفلام: كيف يصنع قطاعان قصة نمو واحدة؟»، شارك فيه كل من الدكتور عبد اللطيف العبد اللطيف، الرئيس التنفيذي للهيئة العامة لتنظيم الإعلام، والمهندس عبد الله بن ناصر القحطاني، الرئيس التنفيذي لهيئة الأفلام، بينما تولت الإعلامية تغريد الهويش إدارة النقاش.
وشهدت هذه الدورة حدثاً مهماً تمثل في الكشف عن التقرير السنوي لصناعة الأفلام السعودية 2025، الذي يسلط الضوء على أبرز مؤشرات الأداء والإنجازات والتطورات التي حققها القطاع السينمائي في المملكة.
يُعتبر هذا التقرير مرجعاً أساسياً لمتابعة أداء القطاع ومؤشراته وتغيراتاته، كما يعمل كأداة استراتيجية تعزز الشفافية وتقدم بيانات دقيقة لصنّاع القرار والمستثمرين والمختصين في المجال.
أبرز حفل الإطلاق المؤشرات القياسية للنمو في مجالات الإيرادات والإنتاج والحوافز والحضور الدولي الواردة في التقرير.
وقدم عرض مرافق للنسخة الثانية من التقرير السنوي أحدث البيانات الشاملة عن قطاع الأفلام، مقدماً تحليلاً قائماً على البيانات لسلسلة القيمة الكاملة، بدءاً من تطوير المواهب والبنية التحتية، مروراً بحوافز الإنتاج والأرشفة، وصولاً إلى المهرجانات وشُباك التذاكر.
أظهرت بيانات التقرير تحسناً كبيراً في مؤشرات القطاع السينمائي السعودي خلال عام 2025؛ حيث ارتفعت إيرادات شُباك التذاكر بنسبة 9 في المائة لتتجاوز 920 مليون ريال (ما يعادل تقريباً 245 مليون دولار)، منها أكثر من 120 مليون ريال ناتجة عن عرض 11 فيلماً سعودياً في دور العرض.
على مستوى النشاط الإنتاجي، ساهم برنامج الحوافز منذ إطلاقه في دعم 71 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً تم تصويرها في أكثر من 5 مناطق سعودية. بالتزامن مع ذلك، ارتفع الإنفاق الإنتاجي التقديري لشركات الإنتاج والقطاع الخاص إلى 1.3 مليار ريال، وتوسعت المساحة الإجمالية للاستوديوهات لتبلغ نحو 118 ألف متر مربع.
في مجال تنمية المواهب البشرية، نجحت البرامج التدريبية التي نفذتها الهيئة في تأهيل أكثر من 4700 متدرب ومتدربة. كما عكس الإقبال الجماهيري الكبير نجاح الفعاليات المصاحبة، إذ ارتفع عدد زوار «منتدى الأفلام السعودي» إلى أعلى مستوى تاريخي تجاوز 85 ألف زائر، مقارنة بـ70 ألفاً في عام 2024، بينما استقطب «مؤتمر النقد السينمائي الدولي» 10056 زائراً.
بعد أربعة عقود من جمع مقتنياته الفنية والحفاظ على تفاصيلها، قرر الفنان السعودي عبد الله السدحان نقل مجموعته إلى الأرشيف الوطني للأفلام. وتم ذلك بموجب اتفاقية وقعتها هيئة الأفلام السعودية لحفظ هذه المواد، في خطوة تهدف إلى صون جانب من ذاكرة الدراما السعودية بما فيها من أدوات وملابس ونصوص وتفاصيل إنتاجية.
وقع على الاتفاقية كل من عبد الله السدحان وعبد الله العبد الله، المدير العام للأرشيف الوطني للأفلام.
تضمنت المجموعة مواد أرشيفية متنوعة من مسيرة السدحان الفنية، شملت الصور والوثائق الإنتاجية والنصوص، بالإضافة إلى الكاميرات وأدوات التصوير والملابس والإكسسوارات وقِطع الديكور ولوحات المشاهد المستخدمة أثناء التصوير. كما تحتفظ المجموعة بمقتنيات مرتبطة بأعمال تلفزيونية بارزة، أبرزها «طاش ما طاش»، من بينها ملابس شخصيتيْ «رقية» و«أبو مساعد»، وحقائب وأبواب وقِطع ديكور ساهمت في تشكيل المشاهد المعروفة لدى الجمهور.
روى عبد الله السدحان، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، قصة جمع هذه المقتنيات قائلاً: «تعلقت بالتفاصيل الصغيرة التي تُرافق صناعة العمل الفني، حيث وجدت صعوبة في الاستغناء عن القِطع التي استخدمتها أثناء التصوير بعد انتهاء العمل، وفضّلت الاحتفاظ بها عوضاً عن إعادتها إلى أصحابها أو التخلص منها، إذ بدأتُ بحقيبة حديدية خضراء ظهرت في إحدى السهرات التلفزيونية، وذلك قبل أن تتحول مع مرور السنوات إلى مجموعة واسعة مع تنوع الأعمال بين التلفزيون والسينما».
تحفظ هذه المجموعة، على مدى أربعة عقود، تفاصيل من تاريخ الدراما السعودية، بدءاً من أدوات التصوير والملابس، وصولاً إلى قِطع الديكور والإكسسوارات التي شكلت ملامح مشاهد لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور. ومع إيداعها في الأرشيف الوطني للأفلام، تنتقل هذه الشواهد من حوزته الشخصية إلى أرشيف مؤسسي يضمن حفظها للأجيال القادمة.
في سياق موازٍ لهذه المبادرة التوثيقية، يتابع السدحان التطورات التي تعيشها السينما السعودية، موضحاً أن «الصناعة تمر بمرحلة انتقالية تتطلب مواصلة العمل للوصول إلى المستوى الذي يطمح إليه صُناع الأفلام والجمهور، حيث إن الحراك الذي تشهده السينما يمثل خطوة في مسيرةٍ ما زالت مستمرة، مع الحاجة لتقديم أعمال ترتقي إلى تطلعات المتلقي، وتستطيع تمثيل الإنتاج السعودي بصورة مشرِّفة خارج المملكة».
يربط السدحان هذه الطموحات بمسؤولية صُناع الأفلام في تطوير المحتوى ورفع جودة الأعمال، خاصة مع توسع الصناعة وارتفاع توقعات الجمهور. ويؤكد أن التحدي يكمن في الاستمرار في تقديم أعمال تجذب المشاهد محلياً وتترك أثراً لدى الجمهور خارج السعودية، وهو ما يتطلب جهداً متواصلاً من العاملين في القطاع.
وأشار السدحان إلى أن طريقة استقبال الجمهور للأعمال الفنية تغيرت بشكل ملحوظ مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، موضحاً أن «المشاهد أصبح، في أحيان كثيرة، ناقداً قبل أن يكون متلقياً، منشغلاً بتتبع الأخطاء والثغرات أكثر من الاستمتاع بالعمل نفسه». ونصح الجمهور بأن يجعل مشاهدة الأفلام والمسلسلات فرصة للاستمتاع بالتجربة الفنية بدلاً من البحث عن الهفوات، مضيفاً أن «الأخطاء قد تظهر في أي إنتاج، حتى في الأعمال الهوليوودية. والتركيز على العثرات قد يحجب جوانب أخرى من التجربة، ويحوّل المشاهدة إلى عملية ترصُّد مستمرة للتفاصيل التي يمكن انتقادها».
مع ارتفاع سقف التوقعات واتساع سوق الإنتاج، يلفت السدحان الانتباه إلى تغيّر الآليات التي تحكم صناعة الدراما التلفزيونية في السعودية، حيث أصبحت الأعمال تخضع لضوابط وميزانيات ومتطلبات أكثر دقة، مما يزيد من الحاجة لتقديم محتوى يحمل قيمة فنية ويستجيب لمعايير الصناعة.
ويربط السدحان انخفاض حجم الإنتاج الدرامي مقارنة بفترات سابقة بالحاجة إلى إسناد الأعمال لجهات تمتلك القدرة على تنفيذها وفق المعايير المطلوبة، قائلاً: «جودة الإنتاج تستدعي اختيار القائمين عليه بعناية، بدلاً من التوسع في تقديم المسلسلات دون ضمانات كافية لمستواها الفني».