قبل عدة أشهر، زرتُ مع زوجتي مكتباً متخصصاً في تنظيم الرحلات السياحية. بعد أن شرح لنا الموظف تفاصيل الرحلة وتكلفتها، سلّمت زوجتي بطاقة الاعتماد دون تردد. حصل الموظف على موافقة شركة البطاقات، ثم طبع إيصالاً يوضح مسار الرحلة وسلّمه لي. عند قراءتي للوثيقة، لاحظتُ أن المبلغ المحصّل يتجاوز السعر المتفق عليه بألف شيكل، فسألته عن السبب.
ردّ الموظف بابتسامة خجولة قائلاً: «آسف، أنت محق، لقد أضفتُ ألف شيكل عن طريق الخطأ».
ابتسمتُ بدوري وقلت: «لا مشكلة يا صديقي، هذه أمور قد تحدث، أرجع الألف شيكل إلى حساب زوجتي، الأمر لم يعد مهماً».
سألني: «هل تفضلين استلامها نقداً أم أحوّلها إلى حساب البطاقة؟».
أجبت: «كما يناسبك، سواء إلى البطاقة أو نقداً، لا مشكلة».
تفكّر قليلاً ثم فتح الدرج وكأنه يبحث عن نقود، وقال: «من الأفضل إعادتها إلى حساب البطاقة لتنظيم الحسابات».
قلت: «لا مشكلة».
أضاف: «سامحوني على الخطأ، المهم أن تستمتعا برحلتكما، وسيظهر المبلغ في الحساب خلال أيام قليلة».
شكرته وغادرنا المكتب، وأنا أفتخر بيقظتي التي أنقذتنا من خسارة ألف شيكل، متأكداً أن الموظف أخطأ دون قصد.
قضيت وقتاً في تحليل ملامح وجهه وابتسامته ونظرته، خاصة لحظة اعترافه بالخطأ وهدوء نظره. لو كان الأمر مقصوداً، لظهر احمرار في وجهه أو تعرق، أو ارتباك في نظره، أو ضحكة عصبية، لكن تصرفه كان هادئاً تماماً، مما يؤكد أنه أخطأ. لديّ حدس قوي في قراءة الوجوه، وهذا نعمة، وتحدثت مطولاً عن الفراسة عند العرب مع أمثلة وتجارب شخصية.
سافرنا وعُدنا، وبعد مرور أكثر من شهر، سألت زوجتي: «هل أعاد لك الوكيل مبلغ الألف شيكل؟».
أجابت: «لا، لم يعده بعد».
اتصلت به قائلاً: «مرحباً، كيف حالك؟ أنا فلان، هل تتذكرني؟ بقي لي عندك ألف شيكل».
ردّ: «آه، صحيح، نسيت تحويلها الشهر الماضي، سأفعلها هذا الشهر إن شاء الله، لكن أحتاج آخر أربعة أرقام من بطاقة الاعتماد».
قلت: «حسناً، سأرسلها لك بعد لحظات».
شكرني وطلب عذره، فقلت: «بسيطة».
يبدو أن انشغالاته كثيرة وغفل عن الموضوع. مرّ شهر آخر، وسألت زوجتي مجدداً فأجابت بالنفي.
هل خدعتني ملامحه؟ لا أظن، هذه أمور تحدث. لكن مرّ شهر ثالث.
ما لا أفهمه هو سبب الانتظار، فالعملية بسيطة وكان يمكن إصلاح الخطأ فوراً.
أرسلت له رسالة: «تحياتي، ماذا عن الألف شيكل؟».
ردّ خلال دقائق بصورة له من الحرم المكي عند الكعبة: «عذراً على التأخير، أرجو سامحي، أنا الآن في العمرة، وسأحوّل المبلغ فوراً عند عودتي إن شاء الله».
رَقّ قلبي وكادت دموعي تسقط، فكتبت: «مبروك العمرة أخي، أرجع بالسلامة إن شاء الله، لا مشكلة».
أرسل لي قلباً أحمر ينفجر عن قلوب صغيرة: «سامحني أخي».
قلت: «لا مشكلة أبداً».
أنا متأكد أن الرجل لم يكن ينوي النصب، وما حدث ليس سوى خطأ وسهو.
لا بد أنه عاد من العمرة، فتواصلت معه: «السلام عليكم أخي، مبروك العمرة، أرجو أن تكون عدت بسلام».
أجاب: «نعم، عدت الحمد لله».
سألته: «كيف كانت العمرة؟».
قال: «جميلة جداً، أتمناها لكل مسلم... وأنت، هل اعتمرت؟».
أجبت: «لا».
نصحني بها لأنها تجدد الإيمان وتنقي الروح من مشاغل الدنيا.
خجلت من سؤاله عن المال، لكن لا بد: «أخي، أنا خجلان منك... لم تقل لي ماذا عن الألف شيكل؟ مرّت أربعة أو خمسة أشهر!».
عذرني وطلب اسم صاحب البطاقة.
قلت: «الاسم عندك، أرسلته لك عدة مرات، وسأرسله مرة أخرى».
شكرني وطلب العذر عن التأخير، مبرراً أن المحاسب خارج البلاد وسيحوّل المبلغ عند عودته.
سألته: «متى يعود المحاسب؟».
أجاب: «خلال أيام قليلة».
سألته: «هل تحتاج إلى تذكير؟».
قال: «يفضل أن تذكّرني، أرجو ألا تؤاخذني وسامحني يا أخي، لقد غلّبتك».
قلت: «لا شيء أخي، بسيطة، هذا يحدث».
مرّ أسبوعان، وانشغل الناس بالانتخابات العامة، ولا بد أن المحاسب عاد. اتصلت هذه المرة وأنا شبه يائس، لكنه لم يرد.
كتبت له رسالة: «هل عاد المحاسب؟ مرّت أشهر من المماطلة، ما هذا التصرف؟ ألا تريد إعادة الحق لأصحابه؟ هل تريدني أن أتوسل؟ وعدتني مرات. هذا إنذار أخير، فلا تضطرني لنشر منشور بك. كنت طيباً معك وأرسلت لك زبائن وامتدحت معاملتك، لكن يبدو أن فراستي خانتني. أفكر بنشر مقالة قد تضرّك، يبدو أنك تستغل طيبة أمثالي وسذاجتهم، لكن اعلم أنني لست طيباً ولا ساذجاً، سأعاقبك، أعدك بذلك».
بعد دقائق وصل ردّه: «السلام عليكم ورحمة الله... أرجو سامحي أخي، لم تكن لدي نية للمماطلة، لكنها صدف وأحداث، وأنا أعذرك في غضبك. عاد المحاسب لكنه انشغل بالانتخابات، أنت تعرف الوضع، إنه ناشط ويدور من بيت إلى بيت، يجب إسقاط هذه الحكومة الفاشية!».
قلت: «نعم، يجب إسقاط الفاشية، ولكن يجب إعادة الألف شيكل؟».
سأل: «هل أنت في البيت الآن؟».
أجبت: «نعم».
قال: «حسناً، أرسل لي رابط الموقع، وسأصل إليك خلال ساعتين كحد أقصى... هل تستقبلني؟».
السلام عليكم:
أنا في انتظارك... لكن إذا لم تصل، فلا تقل لي إن حادثاً وقع أمامك وأغلق الطريق، أو أن حادثة إطلاق نار وقعت والشرطة أغلقت الشارع، أو أن محرك سيارتك تعطل فجأة، أو أن سيارة كانت خلفك صدمتك على الشارة الضوئية... إياك وتقول إنك شعرت بدوخة ولم تستطع الوقوف، أو أن زوجتك اتصلت بك لأن والدتها كسرت ساقها في الحمام فلحقت بها إلى المستشفى، ولا تقل إن بعض الفاشيين أغلقوا الطريق واعتدوا على السائقين العرب... تسقط الفاشية نعم، أعرف أن الوضع لا يطاق، نعم فلتسقط الفاشية، ولكن أعد لي نقودي…