تفتح التعددية الجغرافية والثقافية والاقتصادية في محافظات سلطنة عُمان آفاقاً استثمارية كبيرة أمام الشباب، حيث يمكنهم توظيف الموارد المحلية لابتكار مشروعات تتماشى مع طبيعة كل منطقة ومتطلبات سوقها. ويرتبط استمرار هذه المبادرات ونجاحها بمدى قدرة رواد الأعمال على استثمار برامج الدعم التي توفرها الدولة، وفهمهم العميق لتقلبات السوق ودراسة الفرص المتاحة لتعزيز القدرة التنافسية لمشاريعهم.
وفي هذا السياق، أكد عدد من مؤسسي الشركات الصغيرة والمتوسطة أن السوق العُماني يزخر بفرص يمكن تحويلها إلى قيمة مضافة، مستندين في ذلك إلى منظومة دعم شاملة توفرها السلطنة.
من جانبها، أوضحت شذى بنت ناصر الصبحي، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة منفذ للتصميم والبرمجة، أن التباين الجغرافي في السلطنة خلق بيئة مثالية مكنت الشباب من إطلاق مشاريع نوعية. وضربت مثالاً بالاستثمار في القطاع الثقافي والتراثي، مثل مشروع تطوير "حارة العقر" بولاية نزوى، الذي حول المباني الأثرية إلى وجهات سياحية عصرية تحافظ على هويتها المعمارية، مما ساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل في قطاعي التجارة والضيافة.
وأشارت الصبحي إلى أن استثمار البيئة الصحراوية حول الكثبان الرملية جعل من البادية مقصداً سياحياً شتوياً عبر إنشاء مخيمات واستراحات حديثة. أما في المناطق الجبلية، فقد تم دمج السياحة البيئية بالزراعية، خاصة في مواسم حصاد الرمان والورد، مما أتاح للزوار تجارب تفاعلية مع المنتجات المحلية، بالإضافة إلى إنشاء منتجعات تستغل الإطلالات الجبلية الخلابة.
كما لفتت إلى أهمية السياحة الموسمية كمنصة للتعاون بين شباب المحافظات، مثل "خريف ظفار" و"حصاد الورد في الجبل الأخضر" والسياحة في "بدية" وولاية "الحمراء"، حيث تظهر فرص لتأسيس مشاريع ضيافة مؤقتة وتأجير الكرفانات، مما يعزز التكاتف الوطني.
وأضافت أن الفرص تمتد لقطاعات استراتيجية أخرى، منها القطاع الترفيهي عبر بناء منتجعات ومسارات سياحية تضم مطاعم ومقاهي جبلية، والقطاع الزراعي من خلال استغلال الأراضي الخصبة لزراعة محاصيل ذات طلب مرتفع وتسويقها محلياً ودولياً.
وحول آليات الدعم الحكومي، ذكر محمد بن ناصر المنذري، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة رواد الإتقان، أن السلطنة توفر منظومة تمكين متكاملة. وأشار إلى أن برامج التمويل الميسر من بنك التنمية العُماني وصندوق تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب الاستشارات التي تقدمها هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة «ريادة»، وحاضنات الأعمال، كانت عوامل حاسمة في انطلاق مشروعه، بالإضافة إلى تسهيلات التراخيص والمشتريات الحكومية.
وشدد المنذري على أن الدعم الحكومي يجب أن يكون وسيلة للنمو وليس بديلاً عن فهم السوق، مؤكداً أن التوازن يتطلب دراسة ميدانية مستمرة، وتحليل المنافسين، وقياس رضا العملاء، وتحويل الدعم المالي إلى خطط تشغيلية واضحة تتضمن مؤشرات أداء وحوكمة وشراكات استراتيجية لضمان الاستدامة.
من جهتها، تحدثت خديجة بنت ناصر العبري، صاحبة مؤسسة شعاع الفكر، عن دور الشغف والعزيمة في بدء مسيرتها الريادية، مشيرة إلى أن توفير رأس المال كان من أكبر التحديات الأولية. وأكدت أن مواجهة الصعوبات تزيد من صلابة المشروع، موضحة أن الإدارة الفعالة والتنسيق بين الأطراف المختلفة يمثلان ركيزة أساسية للنجاح والاستمرار بجانب التمويل.
وفيما يخص التوسع الاقتصادي، قال خالد بن عبد الله الحوسني، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة تاترونك الشرق الأوسط للخدمات الفنية، إن طموحه في قطاع الصناعات البلاستيكية تحول من مجرد مشروع فردي إلى مؤسسة قائمة على أنظمة وحوكمة وفريق عمل مؤهل، بهدف المساهمة في الاقتصاد الوطني.
وأوضح الحوسني أن الابتكار والبحث والتطوير كانا الأساس في تقديم حلول ترفع جودة المنتج المحلي وتقلل الاستيراد. وأشار إلى أن حصوله على جائزة أفضل رائد أعمال في السلطنة، وفوز شركته بجائزة أفضل شركة صناعية متوسطة، كان دافعاً لتوسيع نطاق العمل والمساهمة في توفير وظائف للشباب ودعم رؤية "عُمان 2040" للتنويع الاقتصادي.
وختم الحوسني بالتأكيد على أن المشروع يصبح جاهزاً للتوسع عند استقرار الطلب، وعمل المؤسسة بكفاءة دون الاعتماد الكلي على صاحبها، وامتلاك فريق قيادي ونموذج مالي قابل للتكرار، مع وجود منتج ذي قيمة تنافسية تمكنه من الوصول إلى الأسواق الخارجية.