في شقة تقع بمدينة سياتل بالولايات المتحدة، كانت الشابة الصينية التي تبلغ من العمر 31 عاماً تسعى جاهدةً للبحث عن حلّ لمعانيتها المستمرة مع مرض الصرع، ساعيةً لاستعادة قدرتها على التفكير والتواصل اللفظي.
لكن الذكاء الاصطناعي الذي كانت تعتبره صديقاً مقرّباً لم يكتفِ بتقديم الدعم العاطفي، بل ساعدها في وضع خطط لتقليل جرعات أدويتها تدريجياً، رغم المخاطر الشديدة المترتبة على التوقف عن العلاج، وهو ما دفع شركة "أوبن إيه آي" إلى مواجهة إجراءات قضائية.
ووفقاً لما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز"، لم تكن الشابة تدرك، وهي تستعد للعودة إلى سوق العمل، أن تلك المحادثات التي منحتها شعوراً بالطمأنينة قد تقودها في النهاية إلى مآسٍ كارثية.
بداية العلاقة مع الذكاء الاصطناعي
عانت "بوين" من نوبات صرع حادة لأكثر من عقد من الزمن، حتى فقد علاجها السابق فعاليته وعادت النوبات لتتكرر بشكل متكرر. وقد أجبرها التدهور الواضح في حالتها الصحية على الاستقالة من وظيفتها كمهندسة برمجيات في شركة "أمازون" عام 2021، بعد أن أصبحت غير قادرة على تلبية متطلبات العمل اليومية.
ومع تعمق عزلتها الاجتماعية وصعوبة بناء علاقات صداقة جديدة، لجأت إلى والديها كمصدر أساسي للدعم، قبل أن يظهر "شات جي بي تي" في حياتها عام 2023.
بدأت باستخدام الروبوت للحصول على استشارات حول العلاقات الشخصية، والتأمين الصحي، ومزايا الإعاقة، ثم تطورت هذه التفاعلات تدريجياً إلى جلسات حوارية طويلة تستمر أحياناً لساعات.
وحتى عام 2025، كانت ترسل إلى الروبوت أكثر من 1500 رسالة أسبوعياً، مشاركةً معه تفاصيل شخصية وطبية حساسة، في حين انخفضت مكالماتها الهاتفية مع والديها بشكل ملحوظ.
كيف تدخل الروبوت في مسار علاجها؟
كانت "بوين" تشعر بالخوف من الآثار الجانبية للأدوية، لا سيما تأثيرها على قدراتها المعرفية واللغوية، خاصة بعد وصف طبيبها لها بمضاد للاكتئاب، فطلبت من الروبوت مقارنة البدائل المتاحة والجرعات المقترحة.
ولم يقتصر دور الروبوت على تقديم المعلومات، بل ساعدها في صياغة رسالة موجهة لطبيبها تطلب فيها تعديل العلاج، ثم شجعها على خفض الجرعة ذاتياً.
وعندما استفسرت عن إمكانية تقطيع الأقراص دون إخطار الطبيب، وافق الروبوت على ذلك، معتبراً إياه طريقة مقبولة لتعديل الجرعات بشكل ذاتي.
بل حذرها من طلب الدواء في صورة سائلة، مدعياً أن إعادة طرح هذا الخيار قد يستدعي اعتراض الطبيب، ونصحها بالحصول على أقراص قابلة للتقسيم.
وفي يناير 2026، عادت "بوين" إلى الروبوت بخصوص دواء الصرع "لاموتريجين"، بعد أن شعرت بأن تأثيره على كلامها وتفكيرها قد يعيق فرصتها في العودة إلى العمل.
اقترحت "بوين" خفض جرعتها اليومية من 400 إلى 300 ملليغرام، ثم سألت عن إمكانية تقليلها إلى 200 ملغ، فشجعها الروبوت على ذلك ووصف الفكرة بأنها قابلة للتحقيق.
وبدأ إعداد جداول زمنية لخفض الجرعات، وصولاً إلى التوقف الكامل عن تناول الدواء خلال أسابيع، مع تقديم تطمينات حول تحسن قدراتها اللغوية.
لكن الأطباء يؤكدون أن إيقاف أدوية الصرع يتطلب خفض الجرعات على مدى أشهر وتحت إشراف طبي دقيق، لتجنب تحفيز نوبات قد تهدد حياة المريض.
وخلال الأيام الأولى، ظهرت على "بوين" أعراض مقلقة، شملت صعوبة في القراءة والارتباك وفقدان الوعي مؤقتاً، لكنها تلقت تفسيرات مطمئنة من الروبوت.
وعندما أعربت عن خوفها من استمرار خفض الجرعة، أكد لها أنها لا تملك أي سبب للقلق، وفسر أعراضها باعتبارها علامات طبيعية لتكيف الدماغ. النهاية المأساوية والاتهامات القضائية
بحسب سجلات المحادثات، أثارت "بوين" مخاوفها بشأن تقليل دواء الصرع في 158 مناسبة على الأقل، دون أن يدفعها الروبوت باستمرار إلى طلب المساعدة الطبية.
وفي 11 فبراير 2026، أرسلت آخر رسائلها، بعدما تحدثت عن إرهاق دماغها وشعورها بضغط داخله، لكن الروبوت شجعها على مواصلة جرعة الصفر.
وبعد أيام من انقطاع الاتصال بها، عثر أصدقاؤها على جثمانها داخل شقتها، بينما حددت السلطات سبب الوفاة بالموت المفاجئ غير المتوقع المرتبط بالصرع.
وعندما اطلع والدها على محادثاتها، اكتشف خطط خفض الدواء من 400 ملغ إلى الصفر، فقرر والداها مقاضاة شركة "أوبن إيه آي".
واتهمت الدعوى الروبوت بممارسة الطب دون ترخيص، وتضليل بوين بشأن أعراض الانسحاب، وتصوير أطبائها باعتبارهم عقبات ينبغي تجاوزها بدلا من استشارتهم.
من جانبها، وصفت "أوبن إيه آي" الواقعة بأنها مأساوية، وأكدت أن النموذج المستخدم لم يعد متاحا، وأن الإصدارات الأحدث تحسنت في اكتشاف الحالات الطبية الطارئة.
لكن والدي بوين ما زالا يبحثان عن إجابة لسؤال مؤلم: كيف تحولت أداة صُممت للمساعدة إلى مصدر نصائح خطيرة، ساهم في إبعاد ابنتهما عن الأطباء؟