شقّ الدولي الجزائري فارس غجميس طريقه إلى كرة القدم الإيطالية بعد مسيرة لم تخلُ من العثرات والرفض المتكرر. وفي كل مرة ضاقت أمامه فرص الاحتراف، بحث عن طريق آخر لمواصلة مشواره، حتى تحول من جناح مغمور يكافح لإثبات قدراته إلى أحد أبرز لاعبي فروزينوني، واسم يثير اهتمام أندية أوروبية تسعى إلى ضمه.
وفي الأول من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، شهد ملعب "بينيتو ستيربي" محطة جديدة في صعود اللاعب البالغ من العمر 24 عاما، بعدما أطلق تسديدة متقنة بقدمه اليسرى افتتح بها التسجيل أمام تورينو، ليحرز هدفه الأول في الدوري الإيطالي، ويسهم في فوز فروزينوني بهدفين دون رد، ضمن الجولة العاشرة من المسابقة.
وخلف هذا الصعود تقف قصة اكتشاف بدأت في نادي روان الفرنسي، حيث لفت غجميس أنظار غويدو أنجيلوزي، الذي راهن على موهبته واستقدمه إلى فروزينوني مقابل 300 ألف يورو (نحو 324 ألف دولار) فقط. واليوم، بعدما أصبح الجناح الجزائري أحد أبرز مصادر الخطورة في فريقه، بفضل أهدافه وتمريراته الحاسمة، تبدو تلك الصفقة أكثر قيمة مع كل مباراة يخوضها، في وقت يتزايد فيه الاهتمام الأوروبي بخدماته.
بدأت رحلة غجميس في الملاعب الفرنسية بسلسلة من الخيبات. غادر نادي تروا دون أن يجد طريقه إلى الفريق الأول، ثم تلقى رفضا من لوهافر بدد آماله في توقيع أول عقد احترافي، قبل أن يخوض تجربة متواضعة مع نادي إفرو في دوري الدرجة الرابعة، بعيدا عن الأضواء التي كان يحلم باللعب تحتها.
ومع تضاؤل فرصه في الوصول إلى كرة القدم الاحترافية، وجد غجميس نفسه أمام اختبار حاسم. كان عليه إما أن يقبل بالحدود التي رسمتها له تجاربه السابقة، أو أن يبدأ من جديد. فاختار الانتقال إلى نادي فان، حيث قرر إعادة بناء مسيرته بخطوات محسوبة، واضعا لنفسه خطة تمتد ستة أشهر، بهدف شق طريقه تدريجيا نحو المستويات الأعلى.
واستعاد اللاعب الجزائري تلك المرحلة قائلا: "أدركت تماما ما أريد تحقيقه؛ كانت خطتي هي الصعود تدريجيا من الدرجة الرابعة إلى الثالثة، ومن ثم اقتحام عالم الاحتراف".
كان غجميس يدرك أن الطريق إلى الأضواء سيمر أولا بملاعب الدرجات الدنيا، وأن عليه إثبات قدراته في كل محطة قبل الانتقال إلى التالية. ومن فان بدأت محاولته لتحويل خطة وضعها لنفسه إلى مسيرة احترافية حقيقية.
ولم تبقَ خطة غجميس حبيسة الطموحات، بل سرعان ما بدأت تؤتي ثمارها على أرض الملعب. ففي تجربته مع نادي روان الفرنسي، أثبت الجناح الجزائري قدراته الهجومية، مسجلا 6 أهداف خلال 19 مباراة، ليفرض اسمه تدريجيا على أنظار الباحثين عن المواهب.
وكان من بين هؤلاء غويدو أنجيلوزي، المدير الرياضي لنادي فروزينوني الإيطالي، الذي لمح في غجميس ما لم يره آخرون، فسارع إلى التعاقد معه في شتاء عام 2024 مقابل 300 ألف يورو (نحو 324 ألف دولار) فقط، في صفقة فتحت أمام اللاعب أبواب الدوري الإيطالي.
وهكذا، خلال 18 شهرا فقط، قطع غجميس المسافة من ملاعب الهواة الفرنسية إلى دوري الأضواء في إيطاليا. لكن الوصول إلى الحلم حمل معه تحديات جديدة؛ بلد غريب، ولغة لا يتقنها، وحياة مختلفة عن كل ما اعتاده. ولم يجد اللاعب الجزائري ما يعينه على تجاوز تلك الصعوبات سوى شغفه باللعبة التي قادته إلى هناك.
ويصف غجميس تلك التجربة قائلا: "لم يكن الأمر سهلا في بلد جديد لا يتحدث الإنجليزية، لكنني مهووس بكرة القدم، ومجرد اللعب في الدوري الإيطالي كان يعني لي كل شيء. لقد جعلت كرة القدم كل شيء أسهل".
وفي إيطاليا، أخذت موهبة غجميس منحى جديدا، فتحول من جناح يكرس جهده لصناعة الفرص لزملائه إلى أحد أبرز نجوم فروزينوني، واللاعب الذي تتطلع إليه الجماهير كلما احتاج الفريق إلى هدف يحسم المباراة.
وجاء الاختبار الأصعب عقب هبوط فروزينوني إلى الدرجة الثانية، حين وجد غجميس نفسه أمام مسؤولية أكبر. لكنه اغتنم الفرصة ليقدم أفضل مواسمه، ويقود هجوم فريقه بتسجيل 15 هدفا خلال موسم 2025-2026، أسهمت في عودة النادي إلى أضواء الدوري الإيطالي.
ومع كل هدف كان يسجله، كانت أسهم الجناح الجزائري ترتفع، حتى امتد الاهتمام بخدماته إلى أندية موناكو الفرنسي وبشكتاش التركي ورينجرز الإسكتلندي. وأمام تزايد العروض، تحرك فروزينوني في أكتوبر/تشرين الأول 2026 لتحصين أحد أبرز نجومه، فمدد عقده حتى صيف 2030، ووضع شرطا جزائيا بقيمة 20 مليون يورو (نحو 21.6 مليون دولار).
ولم يتأخر غجميس في تأكيد قيمته داخل الملعب، إذ واصل تألقه في دوري الدرجة الأولى، وتوج بجائزة "رجل المباراة" أمام تورينو، بعدما افتتح التسجيل لفريقه ورفع رصيده إلى 5 إسهامات تهديفية هذا الموسم، ليواصل كتابة فصل جديد في مسيرة بدأت بالرفض في فرنسا، ووصلت إلى التألق في ملاعب إيطاليا.
وتُوّجت رحلة غجميس الطويلة من ملاعب الهواة إلى أضواء الدوري الإيطالي بتحقيق حلم طال انتظاره، حين تلقى في مارس/آذار 2026 دعوته الأولى لتمثيل المنتخب الجزائري من المدرب فلاديمير بيتكوفيتش.
وفي المباراة الودية أمام غواتيمالا، عاش الجناح الشاب لحظة استثنائية، بعدما دخل الملعب بديلا لقدوته منذ الطفولة، رياض محرز. ولم يحتج سوى إلى ربع ساعة ليضع بصمته الأولى بقميص "محاربي الصحراء"، مسجلا هدفا في الانتصار العريض بسباعية نظيفة، وكأنما أراد أن يعلن عن نفسه بأفضل طريقة ممكنة.
وبعد المباراة، لم يُخفِ غجميس تأثره بتحقيق الحلم الذي رافقه منذ الصغر، قائلا: "إنه لأمر مؤثر للغاية أن أمثل بلدي، وبلد والديّ أيضا".
وجاء انضمامه إلى المنتخب الجزائري في مرحلة استعاد فيها "محاربو الصحراء" مكانتهم على الساحة العالمية، بعدما حجزوا بطاقة التأهل إلى كأس العالم 2026 بتصدر المجموعة السابعة من التصفيات الأفريقية، منهين غيابا دام 12 عاما عن المونديال.
وهكذا، وجد غجميس نفسه جزءا من جيل يستعد لخوض أكبر محفل كروي في العالم، بعدما كان قبل سنوات قليلة يكافح للحصول على فرصة في دوريات الهواة الفرنسية.
يجد غجميس في زين الدين زيدان التجسيد الأسمى لفن كرة القدم، بينما يستلهم من رياض محرز ومايكل أوليسيه وعثمان ديمبيلي وفينيسيوس جونيور مهارات المراوغة والحلول الفردية التي يسعى إلى تطويرها في أدائه داخل الملعب.
وتحت قيادة مدربه ماسيميليانو ألفيني، يواصل الجناح الجزائري صقل موهبته وكتابة فصل جديد من مسيرته، بعدما قطع طريقا طويلا من ملاعب الدرجات الدنيا في فرنسا إلى أضواء الدوري الإيطالي والمنتخب الجزائري، ليصبح اللاعب الذي عانى طويلا للحصول على فرصة احترافية اسما تتطلع إليه الأندية الأوروبية.