مع اقتراب انتخابات مجالس إدارة فروع غرفة تجارة وصناعة عُمان في المحافظات، تبرز أهمية إعادة النظر في آلية اختيار رؤساء هذه الفروع، ليس من باب الاعتراض على النظام الانتخابي أو التقليل من قيمة أصوات الناخبين، وإنما من منطلق الحرص على تطوير العمل المؤسسي والارتقاء بكفاءة القيادة في مؤسسة تمثل القطاع التجاري والصناعي، وتضطلع بدور مهم في دعم الاقتصاد المحلي وتعزيز بيئة الأعمال والاستثمار.
إن انتخاب أعضاء مجلس إدارة الفرع من قبل الناخبين يمثل حقًا مشروعًا، ويعكس ثقتهم بمن يرونه قادرًا على تمثيل مصالحهم وتطلعاتهم، ولكن يبقى السؤال، هل الحصول على أعلى عدد من الأصوات يعني بالضرورة أن صاحبها هو الأقدر على قيادة مجلس الإدارة وإدارة مؤسسة بحجم ومسؤوليات فرع الغرفة؟ أعتقد أن هناك فرقًا جوهريًا بين الحصول على ثقة الناخبين للفوز بعضوية المجلس، وبين امتلاك المؤهلات والخبرات والقدرات اللازمة لتولي رئاسته.
رئاسة فرع الغرفة ليست مجرد منصب تشريفي أو وجاهة اجتماعية، بل مسؤولية إدارية واقتصادية تتطلب شخصية قيادية تمتلك الخبرة في إدارة المؤسسات، والقدرة على التخطيط الاستراتيجي، وفهم التحديات التي تواجه القطاع التجاري والصناعي، إلى جانب امتلاك رؤية واضحة لتطوير بيئة الأعمال وتحفيز الاستثمار في المحافظة؛ فالرئيس لا يدير مجلسًا فحسب، بل يقود منظومة عمل، ويتعامل مع مصالح أصحاب الأعمال، ويمثل القطاع الخاص أمام الجهات الحكومية، ويتحمل مسؤولية تحويل تطلعات المنتسبين إلى مبادرات وإنجازات ملموسة.
ومن هذا المنطلق، أرى أهمية دراسة آلية جديدة تقوم على انتخاب أعضاء مجلس إدارة الفرع أولًا، وفق إرادة الناخبين، ثم فتح باب الترشح لرئاسة المجلس أمام الأعضاء المنتخبين الذين يستوفون شروطًا مهنية وإدارية محددة، تشمل المؤهلات العلمية، والخبرات القيادية، والإنجازات العملية، والقدرة على الإدارة، والرؤية المستقبلية لتطوير الفرع، ويمكن أن تتولى لجنة مستقلة تضم مختصين في الإدارة والاقتصاد والقطاع التجاري والصناعي تقييم ملفات المرشحين وفق معايير معلنة وشفافة، لتحديد مدى أهليتهم للتنافس، دون أن تنفرد اللجنة باختيار الرئيس.
وهنا تبرز أهمية هذه الآلية، فليس بالضرورة أن يكون من يحصل على أعلى الأصوات بين المرشحين هو الأكثر تأهيلًا لرئاسة مجلس الإدارة، فقد تتداخل اعتبارات وظروف مختلفة في الحصول على الأصوات، دون أن تعكس بالضرورة كفاءة المرشح وقدرته على القيادة؛ فالكمال لله وحده، والقدرة على حصد الأصوات لا تعني بالضرورة امتلاك مقومات الإدارة والقيادة، وهو ما يجعل حسم اختيار الرئيس وفق معايير الكفاءة والأهلية أمرًا ضروريًا.
وبعد استكمال هذه المرحلة، يكون القرار النهائي لأعضاء مجلس الإدارة المنتخبين، من خلال اقتراع سري يختارون فيه الرئيس الذي يرونه مؤهلًا لقيادة الفرع وتحقيق أهدافه، وينبغي أن تكون الآلية ذاتها أساسًا لاختيار النائب الأول والنائب الثاني، وفق الضوابط التي يحددها النظام، وبما يضمن تكامل الأدوار داخل المجلس وتوزيع المسؤوليات على أساس الكفاءة والعمل الجماعي.
ومن المهم التأكيد أن هذا التوجه لا ينتقص من قيمة أصوات الناخبين، ولا يقلل من أهمية العملية الانتخابية، بل يضع كل مسؤولية في إطارها الصحيح، فالناخبون يختارون من يمثلهم في المجلس، وأعضاء المجلس يختارون من يقود المؤسسة، كما أن دور الجهات الحكومية ينبغي أن يقتصر على وضع المعايير والضوابط التنظيمية وضمان نزاهة إجراءات التقييم وشفافيتها، دون التدخل في فرض أسماء أو توجيه القرار النهائي، حفاظًا على استقلالية الغرفة وإرادة أعضائها المنتخبين.
إن تطوير فروع غرفة تجارة وصناعة عُمان يبدأ من تطوير آليات اختيار قياداتها، فنحن بحاجة إلى رؤساء يمتلكون القدرة على تحويل الأفكار إلى مبادرات، والتحديات إلى فرص، والرؤى إلى إنجازات تخدم أصحاب الأعمال والمحافظات، فالحصول على أعلى الأصوات يمنح العضو شرعية التمثيل، لكن الكفاءة والخبرة والرؤية هي التي ينبغي أن تمنحه أهلية القيادة.
ولعل الوقت قد حان لإعادة النظر في آليات اختيار رؤساء فروع الغرفة، والتعامل مع هذا المنصب باعتباره مسؤولية مؤسسية واقتصادية تستحق أن تُسند إلى من يمتلك مقومات القيادة والإدارة، لا أن تكون نتيجة تلقائية لترتيب الأصوات الانتخابية، فطموحنا لا ينبغي أن يتوقف عند اختيار مجالس تمثل القطاع الخاص، بل يجب أن يمتد إلى ضمان وجود قيادات قادرة على النهوض به وتعزيز مساهمته في مسيرة التنمية الاقتصادية في سلطنة عُمان.
إن المرحلة المقبلة تتطلب التوجه نحو آلية تجمع بين شرعية التمثيل وكفاءة القيادة، وتحقق التوازن بين إرادة الناخبين ومتطلبات الإدارة المؤسسية، مع ترسيخ مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص واستقلالية القرار، فنجاح فروع الغرفة لا يقاس فقط بوجود مجالس إدارة تحظى بثقة منتسبيها، وإنما أيضًا بوجود قيادات تمتلك الخبرة والرؤية والقدرة على تحويل تطلعات القطاع الخاص إلى مبادرات وإنجازات ملموسة تخدم أصحاب الأعمال وتسهم في تنمية الاقتصاد المحلي.
وإننا إذ نثمّن الدور الذي تضطلع به غرفة تجارة وصناعة عُمان وفروعها في مختلف المحافظات، وما تبذله من جهود في خدمة القطاع الخاص وتعزيز مساهمته في التنمية الاقتصادية، فإننا نتطلع إلى أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدًا من التطوير في منظومة العمل المؤسسي وآليات اختيار القيادات، بما يعزز من كفاءة الأداء ويرتقي بمستوى المبادرات والإنجازات، ويفتح آفاقًا أوسع أمام أصحاب الأعمال للمشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية، فطموحنا أن تكون فروع الغرفة نماذج رائدة في العمل المؤسسي، ومنصات فاعلة لصناعة الفرص وتحفيز الاستثمار، ورافدًا أساسيًا لمسيرة النهضة الاقتصادية في سلطنة عُمان.