لا يقتصر ما يتركه الراحلون على الممتلكات المادية، بل يمتد ليشمل زمناً لم يكتمل، ومواعيد لم تحن، وأبواباً ما زالت بانتظار من يطرقها. ربما يكون أصعب ما يواجهه الأحياء هو مواصلة حياتهم في زمن غادره أصحابه. من هذا التناقض، يستلهم محمد المطرود عنوان ديوانه «تركة الانتظارات الثقيلة ـ شفويات في شؤون الغيّاب وأهوائهم»، ليغوص في عالم يُقاس فيه الغياب بمدى الحياة المعلقة التي تركها الراحلون في نفوس الآخرين. يتميز العنوان بدقة في الانتقال من المادي إلى الزمني؛ فبينما تُسلَّم التركة عادةً، فإن الانتظار لا يُوزَّع ولا ينتهي. وصفه بـ«الثقيل» لا يضيف مجرد صفة حزينة، بل يضع الزمن تحت ضغط جسدي. هنا، لا يعني الانتظار مجرد انتظار حدث قادم، بل هو إقامة طويلة بين ما حدث وما لن يعود. وتأتي «الشفويات» لتعطي الغائبين حضوراً مختلفاً عن الوثائق الرسمية، من خلال أصوات وحكايات تحمي الفرد من النسيان التاريخي. تُظهر قصيدة الافتتاح هذه البنية من الداخل، حيث يقول المطرود: «كان يكفي يا ريح البراري المالحة/ أن تمري بشجرة لتصبح حديقة». وكما يكفي مرور المحبوبة لتتكون نهر، فإن هذه المبالغة ليست مجرد زينة استعارة، بل اختبار لقدرة الحب على تغيير مقاييس الواقع. عندما ينتهي المقطع إلى حراسة «تركة الانتظارات الثقيلة»، يتحول المتكلم إلى حارس لما لا يملكه، مفضلاً فعل الحراسة على الاستعادة، إدراكاً منه بأن الشعر لا يعيد الضائع لكنه يمنع الغياب من أن يصبح فراغاً. هذه العلاقة لا تقتصر على وطن بعيد أو حبيبة غائبة.
عند المطرود، تتداخل الأمكنة: نهر الراين وجسر كولن وأقفال العشاق من جهة، وبلاد الطفولة ووجوه الأهل من جهة أخرى. لا تركز القصيدة على إثبات التناقض بين الوطن والمنفى، بل تنقل المكان من خريطة إلى لغة؛ فالماء يصبح سطراً، وأقفال العشاق تتحول إلى حمامات. بهذا التحويل، يصبح المنفى قوة تعيد ترتيب العلاقة مع الأشياء، حيث يتحول المشهد العابر إلى إشارة لما لا يُرى. من أكثر مواضع الديوان كثافةً هو المقطع الذي يضع الحب والعالم في سطرين: «العالم يحتاج هذا اللغط ليستمر/ وأنا أحتاجك لأتحمل هذا العالم..». لا ينفي الشاعر حاجة العالم إلى ضجيجه، بل يقابلها بحاجة الفرد إلى الآخر؛ الأولى شرط لاستمرار الخارج، والثانية شرط لتحمله من الداخل. بهذا، تتوسع الحبيبة من شخص إلى إمكانية أخلاقية للعيش دون فقدان حميميتها، في كتابة لا تمنح العاطفة حصانة من الخراب.
لذلك، ليست المحبوبة ملاذاً معزولاً، بل تُرى من داخل عالم يفتك به الغياب. قصائد الحب ليست فواصل بين قصائد الحرب، بل وجه آخر للسؤال: ما الذي يجعل الإنسان قادراً على البقاء بعد انهيار ما كان يظنه ثابتاً؟ عند استدعاء الأم، لا يجعلها المطرود رمزاً عاماً للحنين، بل يتدخل في تفاصيل الجسد والمادة: أثر صغير رسمته الأم منذ عقود، وطبيبة تقترح استئصاله. في لحظة تبدو فيها إزالة العلامة قراراً طبياً، يتحول الأثر إلى أرشيف حميم لا يملك صاحبه نسخة أخرى منه. ليست المسألة مجرد مفاضلة بين الصحة والذكرى، بل كشف عن عنف السؤال: كيف يُطلب من جسد حفظ أمه أن يتخلى عن دليلها؟ أما بالنسبة للأب، فيذهب الشاعر إلى تفصيل آخر: دفتر تلميذ في الصف الأول تتناثر أوراقه مع الريح، وأب يجمعها ويعيد ترتيبها. لا تحتاج القصيدة إلى خطاب عن انهيار البلاد؛ يكفي رؤية الطفل الذي كان يرى العالم قابلاً للإصلاح. استدعاء الدفتر بعد سنوات ليس حنيناً للمدرسة فقط، بل لزمن كانت يد الأب قادرة فيه على إعادة النظام إلى فوضى صغيرة، ليخرج سؤال الفقد الكبير دون أن يُنطق به.
أما الحرب، فتظهر في الديوان في مواضع لا تتوقعها البلاغة العسكرية: في حلم بجسد مبتور. الصديق العائد من الحرب بساق مفقودة كان لاعب كرة، لا جندياً اختار المهنة. عندما يتذكر العدو في الملعب والأرض التي كانت مضماراً، لا يرثي ساقه فقط، بل يرثي مستقبلاً سُرق منه. هنا تكتب القصيدة ما لا تكتبه بيانات القتلى: حيوات كانت ممكنة ولم تقع. وتصبح الأطراف الاصطناعية، والجروح، والنياشين، مفردات متنازعة حول معنى النجاة. صدر الديوان عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع في الحلة بالعراق، بطبعته الأولى سنة 2026، في 111 صفحة. من أجواء المجموعة: «أعمى… أتوكأ على نظرِ قلبي لأدلّ أهلي على الجسر سيعبرون الحرب الثقيلة خفافا وسينسونني مثل آلةِ عسكرية معطوبة بعد سنين سنلتقي وسنتقاسم متحفَ الذاكرةٍ لهمُ الأوسمةُ والنياشينُ والقصصُ ولي جروحي الـ مازالت تنزُ».