دخلت قوات الأمن الداخلي السوري إلى مخيم “روج” قرب مدينة المالكية بريف الحسكة الشمالي الشرقي، وبدأت إخراج دفعة من النساء والأطفال من حملة الجنسيتين الصومالية والسودانية، تمهيدًا لترحيلهم إلى بلادهم بالتنسيق مع سفارات دولهم في دمشق.
وتأتي الخطوة وسط مطالب بإنهاء ملف المخيم الذي يضم أفرادًا من عائلات مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية”، وتصاعد الحديث عن عمليات فرار وتهريب من داخله خلال الفترة الأخيرة.
وقال الناشط الإعلامي إبراهيم حجي الحلبي، من الحسكة، لعنب بلدي، إن قوات الأمن الداخلي أخرجت دفعة من النساء والأطفال الحاملين للجنسيتين الصومالية والسودانية من المخيم، بإشراف الحكومة السورية، تمهيدًا لإعادتهم إلى بلادهم.
وأضاف حجي أن عملية الإخراج جاءت بالتنسيق مع سفارات الدول المعنية في دمشق، مشيرًا إلى أن وفدًا من الأمن الداخلي الحكومي التقى، أمس، عددًا من النساء المقيمات في المخيم، واطّلع على أوضاعهن واستمع إلى مطالبهن.
ودخلت قوات من الأمن الداخلي السوري إلى مخيم “روج”، أمس، في تطور يتعلق بملف إدارة المخيم، الذي ظل خلال السنوات الماضية تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، قبل حلّها ضمن مسار إعادة ترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية في شمال شرقي سوريا.
ملف عالق منذ سنوات
ويضم مخيم روج نحو 2200 شخص، موزعين على قرابة 729 عائلة، وفق بيانات نقلتها وكالة “فرانس برس” عن مسؤولة المخيم حكمية إبراهيم في تشرين الأول الماضي.
وينحدر المقيمون من أكثر من 50 جنسية، ويشكل الروس العدد الأكبر بينهم، إلى جانب فرنسيين وألمان وأتراك، ورعايا دول عربية بينها تونس والمغرب، كما يضم المخيم نساء وأطفالًا من جنسيات أخرى.
ويُعد مخيم روج من أبرز المواقع التي تؤوي أفراد عائلات مقاتلي تنظيم “الدولة” في شمال شرقي سوريا، بعد مخيم الهول الذي كان يضم أعدادًا أكبر من العائلات المرتبطة بالتنظيم. ويتركز وجود النساء والأطفال في روج، في حين تختلف أوضاعهم القانونية بحسب جنسياتهم وملفاتهم، ولا سيما أن بعض الدول لم تستعد مواطنيها رغم مرور سنوات على احتجازهم.
وكانت إدارة المخيم أعلنت في تموز الماضي ترحيل عائلتين تونسيتين تضمان أربع نساء وأطفال، بعد استكمال الإجراءات القانونية والإدارية، باتجاه دمشق وإدلب. وأوضحت الإدارة حينها أن العملية لا تعني انطلاق خطة أوسع لإعادة الرعايا الأجانب إلى بلدانهم، ما يعكس أن عمليات الإخراج والإعادة كانت تُعالج بصورة منفصلة، وفق الترتيبات المتاحة لكل جنسية.
فرار متهمّة بهجوم أوسلو يعيد المخاوف الأمنية
وتتزامن التحركات الحكومية الأخيرة مع تطورات أمنية شهدها المخيم خلال الفترة الماضية، أبرزها فرار النرويجية عائشة كوسار، البالغة من العمر 35 عامًا، والتي كانت تقيم فيه مع ابنها.
وأفادت وسائل إعلام نرويجية، في 3 من تشرين الثاني الحالي، بأن كوسار تمكنت من مغادرة المخيم خلال تشرين الأول الماضي بمساعدة مهرّبين، وفق ما نقلته هيئة الإذاعة النرويجية عن إدارة المخيم.
وتواجه كوسار اتهامات بالمشاركة في الهجوم المسلح الذي استهدف منطقة للمثليين في العاصمة النرويجية أوسلو، ليلة 25 من حزيران 2022، وأسفر عن مقتل شخصين وإصابة 21 آخرين.
وكانت قد غادرت النرويج إلى سوريا عام 2014، واحتُجزت لاحقًا في مخيم “روج”، بينما لم تتضح المعلومات المتاحة بشأن ما إذا كان ابنها قد غادر معها.
ويكتسب فرارها أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة الاتهامات الموجهة إليها، وإلى أن مغادرة المخيم، بحسب الرواية المنقولة عن إدارته، تمت عبر شبكات تهريب، وليس من خلال إجراءات إعادة رسمية. كما يعيد الحادث طرح تساؤلات بشأن قدرة الجهات المشرفة على المخيم على ضبط حركة المقيمين ومنع خروجهم بصورة غير قانونية.
ولا تقتصر المخاوف على هذه الحادثة وحدها، إذ شهد المخيم خلال الفترة الأخيرة توترات واحتجاجات ومواجهات بين بعض القاطنات والحرس، وسط تبادل اتهامات بشأن أسباب الاضطرابات، بين روايات تتحدث عن محاولات هروب وتخريب، وأخرى تتهم الحرس بممارسات بحق النساء والأطفال.
وفي أيلول الماضي، تم رصد تصاعد التوتر داخل المخيم، وتباين الروايات بشأن ما يجري فيه، إلى جانب اتهامات متبادلة بين ناشطين وإدارة المخيم. كما جرى تداول معلومات عن تهريب الهواتف وإدخالها إلى المخيم مقابل مبالغ مالية، وهي معلومات وردت في إفادات الناشطين ولم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.
مطالب بإنهاء ملف المخيم
من جهته، قال المحامي يوسف خلف لعنب بلدي، إن إنهاء ملف مخيم “روج” بات ضرورة، في ظل وجود مئات الأشخاص من أفراد عائلات مقاتلي تنظيم “الدولة”، غالبيتهم من الأجانب، وما يرافق استمرار وجودهم في المخيم من تحديات أمنية وقانونية وإنسانية.
وأوضح خلف أن استمرار إدارة المخيم من قبل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المنحلّة، رغم التحولات التي شهدتها المنطقة، يطرح إشكالية تتعلق بالجهة المسؤولة قانونيًا وإداريًا عن أوضاع المقيمين فيه، ولا سيما أن المخيم يضم أشخاصًا من جنسيات مختلفة، وأن معالجة ملفاتهم تتطلب وجود جهة رسمية قادرة على التواصل مع الدول المعنية وتحمل مسؤولية متابعة الإجراءات.
وأضاف أن المخيم شهد خلال الأسابيع الأخيرة احتجاجات ومواجهات متعددة، ما يعكس حجم التعقيدات التي تحيط بإدارته، ويجعل استمرار الوضع القائم دون معالجة شاملة مصدرًا لمزيد من المشكلات. ولفت إلى أن وجود أعداد كبيرة من النساء والأطفال، ممن ترتبط ملفات عائلاتهم بتنظيم “الدولة”، يستدعي التعامل مع القضية من منظور يتجاوز الإجراءات الأمنية اليومية، باتجاه وضع حلول قانونية واضحة تنظم أوضاعهم وتحدد مصيرهم.
وأشار خلف إلى أن الحديث عن عمليات تهريب من المخيم تزايد خلال الفترة الأخيرة، في ظل خضوعه لسيطرة قوة “منحلة ولا تتمتع بصفة قانونية”، معتبرًا أن غياب مرجعية رسمية واضحة لإدارة المخيم يثير تساؤلات بشأن المسؤولية عن ضبطه ومراقبة حركة الدخول والخروج منه.
وربط المحامي بين ضرورة إنهاء الملف وبين التطورات الأخيرة، إذ إن فرار أشخاص من المخيم، ومن بينهم متهمة في قضية إرهابية خارج سوريا، يسلط الضوء على المخاطر المترتبة على استمرار وجود ثغرات أمنية في إدارته. كما أن تعدد الجنسيات يجعل من الصعب معالجة القضية عبر إجراءات محلية منفردة، دون تنسيق مع الدول التي يحمل المقيمون جنسياتها.
وتتطلب معالجة الملف، وفق خلف، تحديد الجهة السورية المسؤولة عن إدارة المخيم، ووضع آلية للتعامل مع المقيمين، بالتوازي مع التواصل مع السفارات والحكومات الأجنبية بشأن إعادة رعاياها، واستكمال الإجراءات القانونية الخاصة بكل حالة. ولا يعني ذلك أن جميع المقيمين يمكن إعادتهم بالوتيرة نفسها، إذ تختلف ملفاتهم بين من تتوفر بشأنهم ترتيبات لإعادتهم، ومن لا تزال دولهم ترفض استقبالهم أو لم تحسم موقفها من استعادة مواطنيها.
من إدارة محلية إلى مسؤولية حكومية
ويأتي دخول الأمن الداخلي إلى المخيم في سياق التحولات التي تشهدها مناطق شمال شرقي سوريا، بعد الاتفاقات المتعلقة بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وكانت ملفات المؤسسات الأمنية والإدارية في المنطقة من القضايا المطروحة ضمن مسار الدمج، إلا أن نقل المسؤوليات لم يجرِ بصورة متزامنة في جميع القطاعات، نظرًا إلى اختلاف طبيعة المؤسسات والملفات التي تديرها.
ويُعد مخيم روج من الملفات ذات الحساسية الخاصة، بسبب ارتباطه بعائلات مقاتلي التنظيم، ووجود جنسيات أجنبية فيه، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات تتجاوز الجانب الإداري المحلي.