يتقدم السيد AI بثقة في ميدان العمل الإبداعي، ليصبح شاعراً وروائياً، ينافس على الجوائز الأولى في المسابقات الأدبية الدولية، بالشراكة مع كتّاب معروفين، لم يعودوا يشعرون بالإحراج، من تسليم مخيلاتهم للآلة بذريعة مواكبة التطور التكنولوجي.
هكذا دخل الذكاء الاصطناعي قانونياً ميدان التأليف، بعد أن أعلنت جائزة باسكال الفرنسية للأدب إطلاق مسابقة للكتب التي يشارك في تأليفها المبدعون البشر، إلى جانب الذكاء الاصطناعي، شريطة أن يقدم المؤلفون مخطوطاتهم، مرفقةً بملف تقني يوضح نوع "المساعدة الخوارزمية" التي استخدموها في تأليف أعمالهم.
القضية تسببت بجدل في الوسط الإبداعي، فبينما اعتبرها البعض خطيرةً تنذر بتسلّم الآلة ملف الإبداع البشري بالكامل، رآها آخرون مشروعةً في عصر السرعة، ما دام المؤلف اخترع الفكرة وحدد المخطط العام للأحداث في الرواية، إلى جانب المشاعر وطبيعة الشخصيات المشاركة في الحبكة. أي أن الكاتب، يمكنه شرح تفاصيل عمله بعدة أسطر، يسلمها للذكاء الاصطناعي ليتكفل بالباقي!. لكن الكاتب خليل صويلح، مؤلف رواية "اختبار الندم" الفائزة بجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2018، يقول لموقع تلفزيون سوريا: "هذه المرّة، لا تتعلّق المسألة بوسيلة الكتابة، كأن تنتقل من الكتابة اليدوية إلى استعمال الآلة الكاتبة ثم الكمبيوتر، إنما هناك من يقتحم نصّك مباشرة ويعبث بمخيلتك، والحال إنك مثل الزوج المخدوع. هناك من ينتهك ذكورتك علناً".
ويتساءل صويلح، إن كانت مهمة الخوارزميات في هذه اللحظة، "زجّ الكائن البشري في ورشة تدريبية على الكسل العقلي، وتالياً احتلال الذكاء الاصطناعي موقع عامل التوصيل؟". ويصف العملية بـ"الوجبة الملفوفة بالسوليفان وبالنكهة التي تطلبها، تصلك ساخنة إلى باب البيت".
انتقال الذكاء الاصطناعي من منصب الموظف المساعد، إلى الشريك بالعمل الإبداعي، دفع الكاتب سامر محمد إسماعيل للتحذير من الاعتداء على الأعمال الإبداعية الشهيرة وإعادة تدويرها خدمة لمؤلفين متواضعين، ويضيف إسماعيل: "لن يمر وقت طويل، حتى نكتشف قراصنة الذكاء الاصطناعي يتوجون بجوائز، مما امتصه السيد AI من نصوص وكتب وروايات، أحالها إلى مواد خام للكتابة والمعالجة الفورية، ووضعها في خدمة عباقرة النسخ لصق".
جائزة باسكال تقول إن المسابقة ليست تكنولوجية، وتؤكد أن الذكاء الاصطناعي موجود بالفعل في ورشات الكتابة، وفي المخطوطات والمكتبات، من دون أن يُلحظ". ويقول منظمو الجائزة: "في حين يطارد الآخرون الذكاء الاصطناعي بأدوات كشف متناقضة، تطلب جائزة باسكال من المؤلفين التصريح باستخدامه من دون تبشير، ومن دون دعاوى قضائية – بل تعتمد الشفافية أساسا للنقاش وللذكاء الجماعي".
لكن إنتاج كتب أدبية مذيلة بتوقيع الكاتب إلى جانب الذكاء الاصطناعي، مناصفةً أو بنسب أقل أو أكثر، قد تنذر بنشوء نوع جديد من الكتّاب والمؤلفات، مما يمهد لنشوء شركات إنتاج ضخمة تختص بتأليف الأعمال بحسب الطلب، خاصة بالنسبة للكتاب الذين لا يجيدون استخدام الذكاء الاصطناعي، ليصبح البشر أمام إشكالية جديدة تتعلق بماهية المشاعر والانفعالات المقدمة، هل هي إلكترونية منبوشة من أراشيف السيرفرات، أم بشرية من لحم ودم؟.
يقول صويلح: "عموماً أجد نفسي حائراً في تقييم عمل الذكاء الاصطناعي، فمن جهة لا يمكن تجاهل الفائدة من حجم المعلومات التي يضخها لترميم النص مما ينقصه، والتخلي أو التنازل عن الخيال البشري من جهةٍ ثانية. ربما تكمن أهمية هذه الطفرة في إشعال الذاكرة باسترجاع ما نسيته من تواريخ وعناوين كتب ومعلومات". في حين يصف الكاتب إسماعيل جائزة باسكال بالقول: "إن جائزة باسكال لا تدق جرس إنذار وحسب، بل تسهم بقوة في تسيّد الأميين والدخلاء عرش النصوص المقرنصة. كان محرك البحث غوغل قد بدأ بتصوير وسرقة ملايين الكتب، من دون النظر إلى حقوق المؤلف، والآن يتم تحويل ركام هذه النصوص لتلفيق كتاب الجيل الخامس. إنها كتابة آلية تطوي عصر كتاب نزفوا جباههم فوق الورق، وآخرون انتحروا بعد أن تسمموا بالحبر، وآخرون قضوا تحت ركام مكتباتهم".
لكن فضيحة استخدام الذكاء الاصطناعي بتأليف الكتب من دون تصريح، كانت قد عصفت بجائزة "غونكور" الفرنسية الرفيعة الخريف الماضي، بعد أن اتهم الكاتب الهاييتي ثيليسون أوريليان، باستخدام الذكاء الاصطناعي والسرقة الأدبية في روايته المشاركة، ما دفع دار النشر الكندية لإنهاء التعاون معه، وقد رافق ذلك جدل واسع في الوسط الإبداعي. ويحذر صويلح من هذه الحالة ويضيف: "أن تدعي بما ليس فيك، فتلك كارثة كاملة الدسم، يتساوى فيها المبدع مع معطوب الخيال، كما يتساوى فيها من يستعمل توقيعه الشخصي على نصّه، ومن يضع بصمة إبهامه على وثيقة يجهل محتواها".
هل هي موجة عابرة، ترافق اكتساح الذكاء الاصطناعي لمفاصل الحياة؟ يجيب الكاتب إسماعيل: "أعتقد أنها تقليعة سوف تبطل بمرور الوقت، فكل شيء يمكن التخلص منه بمجرد تحويله إلى موضة. هناك من يعمل اليوم على اكتشاف الكتابات المولدة بالذكاء الاصطناعي، لكن هل ستبقى المخيلة هي الحصن الأخير. أعتقد أن السنوات القادمة سوف تخبرنا بنهاية هذا الانتحار الجماعي".
الذكاء الاصطناعي، يذهب عوضاً عنك إلى المقهى، ويجري اتصالاتك الشخصية إذا كنت مشغولاً.. الذكاء الاصطناعي، يمكنه تدبيج مشاعرك بقصائد شعرية، أو تحويلها لروايات محبوكة التفاصيل.. تلك عناوين يمكن أن تفاجئنا في أية لحظة، فهل نحن أمام عصر لا ينتهي من الكسل البشري، أم هي ضريبة التكنولوجيا التي لن تتوقف عند حدود؟.