إن ظهور مقاطع الفيديو للمستخدمين على مواقع التواصل الاجتماعي ومنصة يوتيوب لا يتم بشكل عشوائي، بل يخضع لحسابات رياضية دقيقة. تعود جذور هذه العملية إلى منتصف القرن الماضي، حيث تم ربط مفهوم الألجوريزم (الخوارزمية) بالرياضيات بهدف معالجة أزمة توظيف الأطباء في المستشفيات الأمريكية.
ووفقاً لما ورد في حلقة 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026 من برنامج "الدحيح"، المتاحة للمشاهدة الكاملة عبر الرابط المرفق، تُعرَّف الألجوريزم بأنها سلسلة من الخطوات المحدودة لحل مسألة رياضية، وتشمل عادةً تكرار عملية حسابية معينة.
شهدت بداية القرن الماضي شحاً في أعداد الأطباء، مما دفع المستشفيات إلى توظيفهم أثناء فترة التدريب، ثم امتد الأمر ليشمل توظيفهم منذ انطلاق دراستهم. ومع تزايد الطلب على الكوادر الطبية، قلصت المستشفيات المهلة الزمنية الممنوحة لتوقيع العقود من أسبوعين إلى أسبوع واحد فقط، وصولاً إلى المطالبة برد فوري على العروض المقدمة.
أدى هذا الضغط الزمني الشديد إلى وضع الأطباء في مأزق؛ إذ وجدوا أنفسهم عالقين بين الرغبة في قبول العرض الحالي والخوف من فقدان فرص وظيفية أخرى قد تظهر لاحقاً، خاصة أن العقود كانت ملزمة وتتطلب دفع تعويضات باهظة في حال التراجع عنها.
استمرت هذه الإشكالية التي أجبرت المستشفيات على توظيف الأطباء دون مراعاة معايير الكفاءة أو الأفضلية، بينما كان الأطباء يقبلون بالعمل في مؤسسات قد لا تتناسب مع قدراتهم الحقيقية، سواء كانت أقل أو أعلى منها.
لكن العالمَين فرانسيس جوزيف مولين وجون مارشال قدما حلاً في ورقة بحثية نشرتاها عام 1951، حيث اقترحا استخدام خوارزمية رياضية للتوفيق بين الطرفين بناءً على بيانات تُحلل بواسطة طرف ثالث محايد.
وبناءً على ذلك، بدأت المستشفيات بتحديد مواصفات الأطباء المطلوبين وتسليم تقييماتها النهائية لشركة متخصصة في الألجوريزم، بينما كان الأطباء يقومون بترتيب المستشفيات تنازلياً دون تكرار الترتيب نفسه لمستشفيين، لتقوم الشركة المتخصصة بعد ذلك بتطبيق الخوارزمية على هذه التقييمات لاختيار الأنسب لكل مستشفى والعكس.
مع مرور الوقت، تطورت هذه الفكرة لتشمل التوفيق بين رغبات الأطباء الخريجين الجدد والمستشفيات، ثم تحولت إلى آلية أوسع نطاقاً لتقديم حلول مبنية على تفضيلات المستخدمين المجمعة.
وفي الوقت الراهن، وبفضل التطور التقني الكبير، أصبحت الخوارزميات تقدم حلولاً واقتراحات وإعلانات مبنية على السلوك اليومي للفرد المستهدف؛ فكلما زاد اهتمام الشخص بشيء أو شخص أو منتج معين، بدأت الخوارزميات في عرض كميات كبيرة من المواد المرتبطة بذلك.
كما تقوم هذه الأنظمة بترشيح محتوى محدد في أوقات زمنية معينة تحددها الخوارزمية بناءً على أنماط المتابعة، حيث قد تعرض مقطعاً معيناً في أوقات الراحة، وآخر في بداية اليوم، وثالثاً في نهايته.
ولا يقتصر تحديد هذه الاقتراحات والأوقات على متابعة المستخدم فحسب، بل يشمل أيضاً تحليل أحاديثه واهتماماته اليومية التي تلتقطها الخوارزميات لحظياً من المكالمات والمحادثات، لتحديد نوع المحتوى ومدته واللغة والفئة العمرية التي يوليها المستخدم اهتماماً أكبر.
وباختصار، يشبه عمل الخوارزميات تقريب الزوايا بين المحتوى والمستخدم؛ فكلما اقتربت زاويتاهما، ضمتها الخوارزمية إلى فئة واحدة. ورغم بساطة هذا التلخيص، إلا أنه يستند إلى مليارات العمليات الحسابية التي تختصر الوقت وتضيّق نطاق الخيارات.
ولا يمكن حصر دور هذه الآلية في مواقع التواصل الاجتماعي فقط، إذ تساهم أيضاً في ترشيحات التوظيف، وترتيب حالات المرضى في المستشفيات، وتنظيم رحلات الطيران والسفر، وغيرها من مجالات الحياة التي كانت تتطلب جهداً شاقاً وتعقيداً كبيراً لولا وجود الخوارزميات.