تتساءل الكاتبة البريطانية لوت جيفز عن إصرار وادي السيليكون على توظيف الذكاء الاصطناعي لبرمجة جوانب الحياة الأسرية، محذرة من أن السعي إلى جعل تربية الأطفال أكثر سهولة وكفاءة قد ينتقص من التجارب الإنسانية التي تمنحها معناها الحقيقي.
وفي مقال بعنوان "يا إلهي، الذكاء الاصطناعي على وشك أن يدمر تربية الأطفال"، في صحيفة "الإندبندنت"، تقدم الكاتبة تجربتها مع ابنتها ذات الأعوام الثمانية مثالًا صارخًا. فالطفلة تملي عليها منذ أشهر فصول كتابها، بينما تجلس الأم ليلًا لتكتب آلاف الكلمات. وكان بإمكان الذكاء الاصطناعي أن ينسخ كلام الطفلة، ويصححه، وينسقه، ثم يقرأ القصة بصوت الأم أو حتى بصوت كلب العائلة. لكنها ترى أن الاستعانة به ستسرق شيئًا أهم من الوقت: لحظة المشاركة نفسها. والأهم أن ابنتها رفضت الفكرة لأنها لا تريد آلة تغير كلماتها أو تضيف إليها ما لم تقصده.
وترى جيفز أن هذا المثال يكشف مشكلة أكبر في فلسفة وادي السيليكون: لماذا نفترض أن كل شيء متعب في تربية الأطفال يحتاج إلى حل تقني؟ فهناك بالفعل موجة من الأدوات التي تحاول إدخال الذكاء الاصطناعي إلى قلب الأسرة.
من بينها، اقترح الرئيس التنفيذي لـOpenAI OpenAI سام ألتمان استخدام تقويم العائلة مع ChatGPT لإنتاج بودكاست يذكّر أفراد الأسرة بمباريات الأطفال وأعياد الميلاد والأخبار. كما اقترح مهندس البرمجيات ألفين سنغ تدريب نموذج صوتي على صوت الأب كي يقرأ الذكاء الاصطناعي قصص ما قبل النوم بدلًا منه.
وهناك أمثلة أكثر مباشرة: تختبر Meta Meta Platforms تطبيق StoryKit الذي ينشئ قصصًا مخصصة للأطفال، بشخصيات وأماكن ودروس وموسيقى، بحيث لا يحتاج الوالدان حتى إلى كتابة القصة بأنفسهما.
وهنا تحديدًا تتوقف جيفز: إذا كان بإمكان التكنولوجيا أن تكتب القصة وتقرأها وتخطط لجدول الأسرة، فما الذي سيبقى من دور الأب أو الأم؟
لكن اعتراضها أعمق من قصة ما قبل النوم. فهي ترى أن هوس «تحسين» الأبوة قد يعيد إنتاج مشكلة أخرى: عدم المساواة في توزيع العبء الذهني داخل المنزل. فإذا تولى الذكاء الاصطناعي تذكّر المواعيد، والتخطيط، وشراء الاحتياجات، وحجز المواعيد، فقد يخفف الضغط عن النساء، لكنه قد يجعل التفاوت القائم أكثر احتمالًا بدل أن يعالج سببه.
لذلك لا تقول جيفز إن التكنولوجيا شر مطلق؛ بل تحذر من تحويل الأبوة إلى عملية تشبه إدارة شركة: أسرع، أكثر تنظيمًا، وأقل فوضى. فبالنسبة إليها، الفوضى ليست عيبًا يجب إصلاحه دائمًا. قد تكون هي نفسها التي تمنح الأبوة معناها.
وتخلص الكاتبة إلى أنها لا تريد أن ينتزع الذكاء الاصطناعي اللحظات التي تجعل تربية الأطفال مرهقة، لأن هذه اللحظات نفسها هي التي تجعل العلاقة بين الآباء وأبنائهم عميقة وإنسانية.