شهدت العاصمة الصينية بكين الأسبوع الماضي اجتماعاً جمع ممثلي ست مؤسسات من سلطنة عُمان والصين وأوزبكستان وتركيا، إلى جانب البنك الأوروبي الآسيوي للتنمية، بهدف توقيع اتفاق نوايا لإنشاء صندوق استثماري يركز على الشركات في منطقتي آسيا الوسطى والقوقاز. يهدف هذا الصندوق إلى جمع رأس مال يبلغ 500 مليون دولار، مع توقعات بتوقيع اتفاقية تأسيسه الرسمية في مطلع شهر نوفمبر. يتكون التحالف من جهاز الاستثمار العُماني، وشركة الاستثمارات الصينية، وصندوق التنمية الأوزبكي، ومؤسسة التقاعد التركية «أويَك»، فضلاً عن بنك إقليمي وشركة صينية متخصصة في الأوراق المالية. توفر هذه التشكيلة للجهاز موقعاً استراتيجياً بين رؤوس الأموال السيادية والخبرات الإقليمية، في ظل الحاجة الماسة لدى شركات المنطقة إلى تمويل طويل الأجل يدعم توسعها ودخولها إلى أسواق جديدة.
تتمتع منطقتا آسيا الوسطى والقوقاز بأهمية متزايدة كمسار تجاري يربط بين شرق آسيا وأوروبا، مروراً ببحر قزوين والقوقاز وتركيا. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تطوير ممر النقل العابر لبحر قزوين قد يؤدي إلى زيادة حجم التجارة عبره بأكثر من ثلاثة أضعاف، مع خفض زمن النقل إلى النصف بحلول عام 2040. وتستند هذه التوقعات إلى الحاجة الشديدة لتطوير البنية التحتية للسكك الحديدية والموانئ ومراكز التخزين والخدمات الرقمية، بالإضافة إلى ضرورة التنسيق لتحسين كفاءة حركة السلع عبر الحدود. وتتمتع سلطنة عُمان بفرصة للبحث عن مكانة ضمن هذه الشبكة بفضل خبرتها اللوجستية وموانئها، مما يتيح لها توسيع علاقاتها مع أسواق الخليج وأفريقيا.
يتمتع جهاز الاستثمار العماني بسجل سابق في المنطقة، حيث بدأ نشاطه بتأسيس الشركة العُمانية الأوزبكية للاستثمار في عام 2009، ثم امتد إلى شراكات أحدث في أذربيجان وكازاخستان. يضيف الصندوق الجديد بُعداً متعدد الأطراف إلى هذه التجربة، فيما تدرس كل من «أسياد» وتنمية معادن عُمان وأوكيو فرصاً استثمارية في قطاعات النقل والتعدين والطاقة. تتيح هذه الخطوة للشركات العُمانية اختبار أسواق جديدة، وتمكن الجهاز من ربط علاقاته المؤسسية بفرص تجارية ملموسة. يبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من مرحلة دراسة الفرص إلى التنفيذ الفعلي للمشاريع.
بلغ حجم الهدف المستهدف 500 مليون دولار، وقد وقع الشركاء في بكين اتفاق نوايا، فيما لم تُعلن بعد تفاصيل مساهمات كل طرف أو المشاريع الأولى. سيمنح الإفصاح عن هذه المعلومات المستثمرين والشركات رؤية أوضح لنطاق الصندوق ومخاطره، مما يتيح تقييم تقدمه بشكل مستقل عن قيمة رأس المال المعلنة. تستدعي طبيعة الأسواق المستهدفة اهتماماً خاصاً؛ إذ تتكون آسيا الوسطى والقوقاز من اقتصادات متباينة في مواردها وأولوياتها، كما تثير قطاعات التعدين والطاقة والزراعة تساؤلات حول الحوكمة والأثر البيئي واستدامة الموارد.
يدير جهاز الاستثمار العُماني أصولاً تتجاوز 23 مليار ريال عُماني، موجه نحو ثلثيها إلى الداخل، بينما يُستثمر الثلث المتبقي في الأسواق العالمية لتنويع المخاطر وتحقيق عوائد طويلة الأجل ونقل المعرفة. تنبع قيمة الصندوق بالنسبة لعُمان من هذا التوازن، حيث يساهم الاستثمار الخارجي في تعزيز الاقتصاد عبر فتح عقود للشركات المحلية، واكتساب كوادرها خبرات جديدة، وجذب استثمارات وشراكات إضافية إلى البلاد. سيتجلى نجاح الصندوق من خلال المشاريع التي يمولها، وما تضيفه إلى أعمال الشركات العُمانية وقدرتها التنافسية، ليصبح الحضور في آسيا الوسطى جزءاً من استراتيجية تنويع الاقتصاد، وليس مجرد توسع جغرافي للمحفظة الاستثمارية.