د. محمد بن عوض المشيخي **
الزلزال الأمني والاقتصادي اللذين أحدثهما الصراع الدامي على ضفتي الخليج العربي هذه السنة قد كشف المستور؛ إذ تحول ذلك الواقع المؤلم إلى كابوس للحكومات الخليجية التي تحاول بجهود مضاعفة السيطرة على الأمور في هذا الإقليم الملتهب في الأصل منذ عقود، والذي تنعم مجتمعاته برغد العيش، في رفاهية كُنَّا نُحسَد عليها من الآخرين، منذ ظهور الطفرة النفطية التي جعلتنا جميعًا في قائمة الدول المدمنة للطاقة الاحفورية.
وبالتالي كان اعتمادنا عليها بالكامل في مشاريعنا التنموية، وكذلك في ما يدخل خزائننا العامة طوال العقود الماضية، دون أن نفكر في بدائل واقعية وحقيقية تكون حاضرة في أوقات الأزمات؛ خاصة في مجالات تنويع مصادر الدخل على أرض الواقع مثل إقامة صناعات متطورة تغطي الاستهلاك الداخلي، وتصدر الفائض إلى الخارج وكذلك الاستثمار في الزراعة لكي ننتج ما يكفي الشعوب الخليجية من الطعام، وذلك لتحقيق الأمن الغذائي؛ فالدولة التي لا تنتج ما تحتاج إليه من المواد الغذائية لا تملك قراراتها؛ بل تكون رهينة لمن يُطعم البطون الجائعة؛ فبعض هذه الدول تملك المقومات الزراعية كالأراضي الخصبة ووفرة المياه في عدد من مواقعها، مثل سلطنة عُمان والسعودية. والسؤال المطروح الآن هو: هل خطر على بال صُنَّاع القرار ما أصابنا منذ فبراير الماضي؟ والإجابة على هذا السؤال المحوري تجعلنا نستنتج ومنذ النظرة الأولى وجود ضبابية في فهم ما جرى في دول الخليج من كارثة نتيجة استهداف المدن والمرافق الحيوية كالموانئ والمطارات وآبار النفط والغاز، والأسوأ من ذلك كله التجاهل والإقصاء من الدولة الكبرى التي تسببت في هذه الكارثة الوجودية؛ أمريكا التي اختارت نتنياهو وقررت التخلي عن الأمن الخليجي. كما أن غياب الدراسات الاستشرافية- إن وُجِدَتْ- يمكن لها أن تُغذي صناع القرار بقراءة مستقبلية لأسوأ السيناريوهات التي ظهرت للوجود بالفعل، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبة الدول التي أصبحت على المحك وباتت تواجِه تحديات وجودية لأول مرة في تاريخها، على الرغم من أنها الأكثر إنفاقًا على شراء السلاح في العالم. لكن لا الأساطيل البحرية نجحت في توفير الحماية للسفن التي تُصدِّر النفط والغاز، ولا المنظومات الدفاعية والمقاتلات المتطورة حمت الأجواء من الأعداء، مما جعل دول المنطقة تعود إلى المربع الأول أو الخانة الصفرية للخطر الوجودي "نكون أو لا نكون".
صحيحٌ أنَّ كل دول مجلس التعاون الخليجي وضعت خططًا ورؤى مستقبلية في التنمية الوطنية، يستشعر من يطلع عليها أنها مكتوبة بأسلوب جميل على الورق، لكن عند التنفيذ نجد منها ما هو إلّا طموحات للمسؤولين قد لا تتحقق يومًا ما لأسباب تتعلق بالموارد المخصصة وعجز المنفذين لتلك الخطط عن فهم أبعاد التنمية الحقيقية، وقلة خبرتهم وعدم واقعية تلك الخطط عند تنفيذها من جانب آخر.
يبدو لي أنَّ هناك فجوة كبيرة في فهم المخاطر التي تحيط بالمنطقة، ولعلَّ إغلاق مضيق هرمز- الذي يعد بمثابة الرئة التي تتنفس من خلالها الاقتصاديات الخليجية- قد أصاب في مقتل الذين كانت حساباتهم خاطئة ولم ينجحوا في وضع بدائل أخرى للمرور عبر هذا الممر، الذي أدى إغلاقه إلى تراجع إيرادات دولة قطر- على سبيل المثال- بأكثر من 42%؛ إذ دعا الأمير تميم في خطاب تاريخي متلفز إلى شد الأحزمة وتحمل الجميع مسؤولياته تجاه الوضع الجديد.
وهكذا هي الدول الخليجية تنتقل من مفهوم دولة الرفاه إلى التعرض للصدمات والضربات القاسية؛ لكون حكومات هذه الدول أدركت متأخرة أنها تحتاج إلى استراتيجية حقيقية ومظلة أمنية تحمي الإنجازات التنموية التي تحققت في المنطقة، فكان الاعتماد على القواعد الأجنبية هو الرهان الخاسر للجميع؛ إذ إنهم كانوا الحلقة الضعيفة التي لم تكن طرفًا في الحرب المدمرة، على الرغم من أن هذه الدول كانت ساحة للصراع وميداناً لمرمى النيران.
تاريخيًا ازدهرت الاقتصاديات الخليجية منذ أربعينيات القرن الماضي بفضل الدخل من إيرادات النفط التي ظهرت في المنطقة؛ حيث قامت الشركات الأجنبية بعقد اتفاقيات ثنائية مع هذه الدول لاستخراج النفط وتقاسم الثروة معها، وكانت البداية في البحرين والكويت اللتيْن شهدتا نهضة عُمرانية وتعليمية قبل جيرانهم؛ إذ استقطبتا المهاجرين والباحثين عن العمل من الدول المجاورة. ثم تلا ذلك انضمام الدول الخليجية الأخرى إلى ركب إنتاج النفط وتصديره، واستخدام الإيرادات التي فاقت الاحتياجات الفعلية لتلك المجتمعات؛ خاصة في عقدي السبعينيات والثمانينيات؛ إذ تم تحويل الفائض من تلك الثروات واستثمارها في الخارج في السندات والشركات ذات الطابع الاستثماري من خلال الصناديق السيادية التي يفترض أن تكون اليوم بديلًا لإيرادات النفط والغاز التي تترنح اليوم في مستنقع الركود الاقتصادي والعجز في الموازنات في معظم دول مجلس التعاون.
يجب التذكير هنا ونحن ننتقل من عهد الرفاهية إلى عهد التقشف، أن عهد الرفاه كرَّس الطبقية؛ فالمُتنفِّذون استحوذوا على مكاسب هائلة من الثروات والأراضي والدعم السخي من خزينة الدولة؛ بينما يغرق الكثيرون في المديونية باحثين عن لقمة العيش في واقع يُسيطر فيه الأجانب على الوظائف العليا ويُستبعد المواطن في بلده من هذه الوظائف، ويصبح في أفضل الأحوال على قائمة الانتظار للوظيفة التي يتنافس عليها الآلاف من العاطلين، في بلدانٍ نفطيةٍ غنيةٍ، بينما يُعلن البعض منها بين وقت وآخر أنها غير مسؤولة عن التوظيف!
وفي الختام.. يجب الاعتراف الآن بالخطر الوجودي الذي يواجه مستقبل دول الخليج العربي، واستمراريتها ككيانات سياسية؛ فهناك خيار وحيد أمام القادة وهو العمل الجماعي والاتحاد من خلال منظومة خليجية موحدة تُكلَّف بالدفاع عن التراب الخليجي، ولا يمكن أن يتحقق ذلك دون وجود نوايا صادقة من الجميع لنبذ الخلافات والإيمان بمستقبل شعوب المنطقة، والأهم هنا هو اعتبار الأمن الخليجي خط الدفاع الأخير عن السيادة، والعمل على تأسيس جيش خليجي مُوحَّد ومُدرَّب ليتمكن من حماية السماء والحدود البرية والبحرية، عبر منظومة دفاعية مُشتركة تحت مظلة الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي.
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري