تخطّي إلى المحتوى
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026
عاجل
الدولار يتراجع قبيل اجتماع الفيدرالي وسط مخاوف التضخم عُمان تتألق في قطر المفتوحة للتايكواندو بحصاد 14 ميدالية تحذيرات طبية من مخاطر إهمال تنظيف زجاجات المياه القابلة لإعادة الاستخدام كومو يكتسح مانشستر يونايتد في دوري أبطال أوروبا إصابات الثنائي الفرنسي تبعد كومان وسيماكان عن مواجهة النصر والفيصلي تخريج 189 كفاءة وطنية من الأكاديمية الوطنية للصناعات العسكرية بالرياض كتاب «دراسات في الخطاب» لنور الهدى باديس: تفكيك المسكوت عنه في السرد الروائي مخاوف في مانشستر يونايتد من غياب طويل للمهاجم بنجامين سيسكو إيقاف مؤقت لمواقع حكومية فرنسية إثر اكتشاف ثغرات أمنية في "بي إتش بي" ريم عامر تقدم شخصية كوميدية في مسلسل "دافنينه سوا" الدولار يتراجع قبيل اجتماع الفيدرالي وسط مخاوف التضخم عُمان تتألق في قطر المفتوحة للتايكواندو بحصاد 14 ميدالية تحذيرات طبية من مخاطر إهمال تنظيف زجاجات المياه القابلة لإعادة الاستخدام كومو يكتسح مانشستر يونايتد في دوري أبطال أوروبا إصابات الثنائي الفرنسي تبعد كومان وسيماكان عن مواجهة النصر والفيصلي تخريج 189 كفاءة وطنية من الأكاديمية الوطنية للصناعات العسكرية بالرياض كتاب «دراسات في الخطاب» لنور الهدى باديس: تفكيك المسكوت عنه في السرد الروائي مخاوف في مانشستر يونايتد من غياب طويل للمهاجم بنجامين سيسكو إيقاف مؤقت لمواقع حكومية فرنسية إثر اكتشاف ثغرات أمنية في "بي إتش بي" ريم عامر تقدم شخصية كوميدية في مسلسل "دافنينه سوا"

ما يقوله الفنان وما يتخيله المتلقي.. من يملك المعنى؟

إحدى أسرار بقاء الفن، أنه لا يحتفظ بمعناه لنفسه؛ بل يسمح لمعاني الآخرين بأن تسكنه. قد تبدو هذه الفكرة، للوهلة الأولى، أقرب إلى عبارة جميلة تصلح لأن تُعلَّق على جدار محترف فنان، أو في مقدمة كتاب عن الفن. لكنها، إذا أُخذت على محمل الجد، تمسّ جوهر العلاقة بين العمل الفني والمتلقي. ف...

21 أكتوبر 2026 8 د للقراءة 10
ما يقوله الفنان وما يتخيله المتلقي.. من يملك المعنى؟

إحدى أسرار بقاء الفن، أنه لا يحتفظ بمعناه لنفسه؛ بل يسمح لمعاني الآخرين بأن تسكنه. قد تبدو هذه الفكرة، للوهلة الأولى، أقرب إلى عبارة جميلة تصلح لأن تُعلَّق على جدار محترف فنان، أو في مقدمة كتاب عن الفن. لكنها، إذا أُخذت على محمل الجد، تمسّ جوهر العلاقة بين العمل الفني والمتلقي. فالفن الذي يقول كل شيء لا يترك لنا سوى التصفيق أو الرفض. أما الفن الذي يعرف أين يتوقف، فإنه يضع في أيدينا شيئا ناقصا، فراغا، سؤالا، نظرة لم تكتمل، ثم يطلب منا، من دون أن يقول ذلك صراحة، أن نكمل العمل. لهذا لا تكون حياة العمل الفني مرتبطة دائما بوضوح فكرته، ولا بكمية المعلومات التي يقدمها، ولا حتى بقدرة الفنان على شرح ما أراد قوله. أحيانا يكون العكس هو الصحيح. كلما شرح الفنان عمله أكثر، ضاق مجال حركته داخلنا. وكلما ترك فيه منطقة لم يفسرها، اتسعت تلك المنطقة لتصبح ملكا لنا.

يُروى عن الفنان مارسيل دوشامب (1887 ـ 1968) أن الفنان لا يقوم بكل العمل؛ فالمتلقي يشارك في إنجاز العمل الفني عندما يقرؤه أو يفسره. وهذه الفكرة، التي تبدو اليوم مألوفة، كانت انقلابا على التصور القديم للفنان بوصفه صاحب المعنى الوحيد. فاللوحة ليست مجرد رسالة في ظرف مغلق، والقصيدة ليست برقية تصل إلى عنوان محدد، والفيلم ليس محاضرة بصرية يشرح فيها المخرج موقفه من العالم. خذ لوحة مثل «الموناليزا» ما الذي يجعل هذه الابتسامة الصغيرة قادرة على البقاء أكثر من خمسة قرون؟ بالتأكيد ليس لأنها تخبرنا بشيء واضح. لو كانت تبتسم ابتسامة يمكن تفسيرها في جملة واحدة، لانتهى أمرها منذ زمن طويل. لكن ليوناردو دافينشي (1452 ـ 1519) ترك أمامنا وجها لا يستقر على معنى واحد. المرأة تبتسم، أو ربما لا تبتسم. تنظر إلينا، أو تنظر إلى شيء خلفنا. تبدو سعيدة، حزينة، ساخرة، متعبة، أو ببساطة لا تفعل شيئا من كل ذلك. لقد ترك لنا شيئا لا يستطيع أحد امتلاكه بصورة نهائية: الاحتمال. وهنا تحديدا تبدأ حياة اللوحة.

الأمر نفسه يحدث في السينما، ولكن بصورة أكثر تعقيدا؛ لأن الفيلم يملك الزمن، ويقود أعيننا وحواسنا من لقطة إلى أخرى، ومع ذلك فإن أكثر الأفلام بقاء ليست بالضرورة تلك التي تشرح نهاياتها. في المشهد الأخير من «أضواء المدينة» لتشارلي تشابلن (1452 ـ 1519) يلتقي المتشرد بالفتاة التي أحبها بعد أن استعادت بصرها. تنظر إليه، وتتعرف إلى يده، ثم إلى وجهه. ينتهي الفيلم تقريبا عند هذه اللحظة. ماذا سيحدث بعد ذلك؟ لا نعرف. وليس من الضروري أن نعرف. كان يمكن لتشابلن أن يضيف مشهدا آخر: أن تتأكد الفتاة من هويته، أن تعانقه، أن تبكي، أن يبدأ الاثنان حياة جديدة. لكنه لو فعل ذلك لربما أفسد واحدة من أعظم النهايات في تاريخ السينما. لقد ترك لنا لحظة لا قصة مكتملة. نحن الذين نكملها داخلنا. وهذا هو الفرق بين العمل الذي ينتهي والعمل الذي يواصل العيش.

الغموض شكل من أشكال المعرفة

في فيلم «2001: أوديسا الفضاء» لستانلي كوبريك (1928 ـ 1999) لا ينتظر المخرج من المشاهد أن يخرج بإجابة جاهزة عن معنى الحجر الأسود، أو عن التحول الذي يمر به الإنسان، أو عن الطفل النجمي في النهاية. الفيلم لا يمنحنا مفتاحا واحدا لفتح أبوابه. إنه يضع أمامنا صورا تبدو أحيانا كأنها أحلام لا تريد أن تُترجم إلى لغة. كان كوبريك يعرف أن الغموض ليس نقصا في المعرفة، بل يمكن أن يكون شكلا من أشكال المعرفة. ولهذا تبدو بعض الأعمال الفنية أكثر حياة كلما عجزنا عن إغلاقها بتفسير واحد. لكن هذا لا يعني أن الفنان ينبغي أن يكون غامضا عمدا، أو أن الغموض قيمة فنية في ذاته. فهناك أعمال غامضة لأنها عميقة، وأعمال أخرى غامضة لأنها فارغة. وهناك فرق هائل بين أن تترك بابا مفتوحا، وأن تنسى أن تبني بيتا أصلا. الفنان الحقيقي لا يهرب من المعنى، بل يعرف أن المعنى ليس نهاية الطريق. يفتح جدارا لم نكن نعرف أنه موجود في الأدب، نجد الأمر نفسه عند كافكا. ماذا تعني رواية المسخ؟ يمكن أن نقرأها بوصفها حكاية عن الاغتراب، أو العائلة، أو العمل، أو السلطة، أو فقدان الإنسان قيمته حين يصبح غير نافع للآخرين. لكن قوة قصة غريغور سامسا لا تأتي من وجود هذه المعاني فحسب، بل من أن القصة تقاوم أن تكون واحدة منها. يستيقظ غريغور وقد تحول إلى حشرة، وهذه هي المعلومة التي يقدمها النص. لكن ما يفعله القارئ بهذه المعلومة هو الجزء الذي لم يكتبه كافكا. ربما لهذا السبب قال كافكا، في عبارة شهيرة، إن الكتاب يجب أن يكون الفأس الذي يحطم البحر المتجمد في داخلنا. الكتاب، في هذه الحالة، لا يقدم لنا منزلا نعيش فيه، بل يفتح جدارا لم نكن نعرف أنه موجود.

الفن ليس تسجيلا بصريا للواقع

الفن التشكيلي يعرف هذه المسألة منذ زمن بعيد. في أعمال بابلو بيكاسو (1881- 1973) لا سيما «غيرنيكا»، لا نجد مجرد تسجيل بصري لمأساة حدثت في مدينة إسبانية. نجد أجسادا متكسرة، حصانا يصرخ، امرأة تحمل طفلا، عيونا مفتوحة على رعب لا نرى مصدره. لا يقول بيكاسو لنا: «هذا هو معنى الحرب». إنه يجعلنا نرى الحرب في صورة لا تسمح لنا بأن نمر عليها بوصفها معلومة تاريخية. يقول بيكاسو: «الفن يغسل عن أرواحنا غبار الحياة اليومية»، لكن الفن لا يغسل الغبار دائما؛ أحيانا ينفضه في الهواء أمامنا، لكي نراه للمرة الأولى. في لوحة «الصرخة» لإدفارد مونك (1863 – 1944) لا نحتاج إلى معرفة السيرة النفسية للفنان حتى نشعر بأن هناك شيئا يصرخ. الوجه نفسه ليس وجها محددا لشخص نعرفه، والمكان ليس مكانا يمكن أن نحدده بسهولة. ومع ذلك، يستطيع كل مشاهد أن يضع شيئا من خوفه الشخصي داخل تلك الصرخة. وهنا تكمن إحدى أسرار بقاء الفن: العمل العظيم لا يحتفظ بمعناه لنفسه؛ إنه يسمح لمعاني الآخرين بأن تسكنه. ربما لهذا كان مارسيل بروست (1871 – 1922) يرى أن القارئ يقرأ داخل الكتاب نفسه، ولكنه يقرأ أيضا ذاته. إن العمل الأدبي، بهذا المعنى، لا يكون مرآة تعكس الكاتب فقط؛ إنه مرآة تتغير صورتها كلما وقف أمامها قارئ جديد. وهذا ما يفسر أن العمل الواحد يمكن أن يظل معنا سنوات طويلة، ثم يعود فجأة بمعنى مختلف. نحن لا نقرأ العمل نفسه مرتين، لأننا لا نكون الشخص نفسه في المرتين.

الزمن يغير نظرتنا للعمل الفني

قد نعود إلى فيلم شاهدناه في العشرين فنراه في الخمسين فيلما آخر. قد نقرأ قصيدة بعد موت شخص نحبه، فتظهر فيها جملة لم ننتبه إليها من قبل. وقد نقف أمام لوحة كنا نظن أننا فهمناها، فنكتشف أن الذي تغير ليس اللوحة، بل نحن. إن الزمن لا يغيّر الأعمال الفنية فقط؛ إنه يغيّر أعيننا التي تنظر إليها. لهذا فإن السؤال الأهم ليس: ماذا أراد الفنان أن يقول؟ وإنما: ماذا بقي لنا بعد أن قال ما أراد؟ قد نعرف تماما ما أراد بيكاسو قوله في «غيرنيكا»، لكننا لا نعرف لماذا يواصل الحصان صراخه داخلنا. وقد نعرف قصة «المسخ»، لكننا لا نعرف لماذا نشعر أحيانا، ونحن نقرأها، بأن غريغور سامسا ليس حشرة غريبة عنا تماما. وقد نعرف أن «أضواء المدينة» فيلم عن الحب والفقر والكرامة، لكننا نظل واقفين عند تلك النظرة الأخيرة بين الرجل والمرأة، كأن الفيلم لم ينته بعد. وهنا تكمن حياة الفن.

لا أجوبة.. الفن يقدم أسئلة

العمل الذي يقدم لنا إجابة ينتهي عندما نفهمها. أما العمل الذي يمنحنا سؤالا، فيبدأ كلما ظننا أننا انتهينا منه. الفن، في أفضل حالاته، لا يطلب منا أن نعرف ما يقوله الفنان، بل أن نكتشف ما الذي يقوله العمل فينا. وهذا فرق كبير. ففي الحالة الأولى نحن نتبع الفنان، وفي الثانية نبدأ في اكتشاف أنفسنا. ولعل هذا هو السبب في أن الأعمال العظيمة لا تشيخ بالطريقة التي تشيخ فيها الأشياء الأخرى. تتغير ملابسها، ولغتها، وتقنياتها، وربما تتغير حتى قدرتنا على فهم السياق الذي ظهرت فيه، لكنها تظل قادرة على فتح نافذة في مكان ما داخلنا. إنها لا تعيش لأنها قالت كل شيء. إنها تعيش لأنها تركت شيئا لم تقله. شيئا يشبه ذلك الفراغ الصغير بين نظرتين، أو الصمت الذي يأتي بعد جملة أخيرة، أو الباب الذي يغلقه الفيلم قبل أن نعرف ما وراءه، أو الوجه الذي يبتسم في لوحة منذ خمسة قرون، ولا يزال يرفض أن يخبرنا تماما لماذا. هناك، في تلك المسافة غير المكتملة بين ما قاله الفنان وما تخيله المتلقي، يبدأ الفن في حياة أخرى. وربما لا يكون الفن حيّا إلا بقدر ما يستطيع أن يخرج من يد صاحبه، ثم يدخل، من دون استئذان، إلى حياة شخص آخر. عندها فقط لا يعود العمل ملكا لمن صنعه وحده. يصبح، بطريقة ما، ملكا لمن وجده.

الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام

انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.

انضم الآن
التغطية الأصلية الكاملة لدى alquds.co.uk - rss زيارة المصدر