ظاهريًا تدور المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي حول النماذج والرقائق الإلكترونية، لكن عند التعمق في الأمر، نجد أن المنافسة تتعلق بشيء آخر أيضا: من أين تأتي القدرة الحاسوبية، وكيف يمكن إيصالها إلى من يحتاجون إليها؟
قد يعادل استهلاك مركز بيانات كبير من الكهرباء استهلاك مدينة صغيرة أو متوسطة. كما أن الرقائق الإلكترونية تولد حرارة أثناء التشغيل، وتحتاج عملية تبريدها بدورها إلى الماء والكهرباء. لذلك، فإن تحديد مكان إنشاء مراكز الحوسبة ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو أولا قرار يرتبط بالطاقة والمناخ.
وضع القدرة الحاسوبية في المكان المناسب
تتمثل الإجابة التي تقدمها الصين في مبادرة نقل البيانات من الشرق إلى الغرب؛ فالشرق الصيني يضم طلبا كبيرا على القدرة الحاسوبية، إذ تتركز فيه معظم شركات الإنترنت والذكاء الاصطناعي والمؤسسات المالية، لكن أسعار الكهرباء والأراضي فيه مرتفعة، كما أن تكاليف التبريد مرتفعة. أما غربي الصين، فيتمتع بوفرة موارد طاقة الرياح والطاقة الشمسية، فضلا عن مناخه البارد نسبيا، ما يجعله مناسبا لإنشاء مراكز البيانات.
لذلك، أنشأت الصين ثمانية مراكز محورية للقدرة الحاسوبية في المناطق الغربية، بهدف توجيه الطلب على الحوسبة من الشرق إلى الغرب، والاستفادة من الكهرباء النظيفة المنتجة في الغرب لتلبية هذه الاحتياجات.
ولا يتعلق الأمر بمجرد نقل الخوادم من مكان إلى آخر، بل بإعادة تنظيم العلاقة بين القدرة الحاسوبية والطاقة والشبكات على مستوى البلاد. فبدلا من نقل كل الكهرباء النظيفة المنتجة في الغرب لمسافات طويلة، يمكن تحويل جزء منها إلى قدرة حاسوبية في مكان إنتاجها. وفي المقابل، لا يلزم معالجة جميع البيانات التي ينتجها الشرق محليا، إذ يمكن نقلها عبر الشبكات إلى الغرب.
وهكذا، يتشكل طريق حرير جديد للقدرة الحاسوبية، يمتد بين شرق الصين وغربها.
"أُولَانْقَاب".. تحوّل مدينة زراعية
تقع مدينة أولانقاب بمنطقة منغوليا الداخلية الذاتية الحكم شمالي الصين. ويتميز الشتاء فيها بطوله، كما تشتهر برياحها القوية. وكانت المدينة معروفة في الماضي بإنتاج البطاطس والشوفان، لكنها اكتسبت اليوم هوية جديدة بوصفها مركزا محوريا للقدرة الحاسوبية.
وتتمتع أولانقاب بوفرة موارد طاقة الرياح والطاقة الشمسية، كما أن مناخها البارد نسبيا يساعد على تبريد مراكز البيانات. وحتى أغسطس 2026، بلغ حجم القدرة الحاسوبية فيها 190 ألفًا، وتجاوزت حصة القدرة الحاسوبية المخصصة للذكاء الاصطناعي 90%. وهكذا، استطاعت مدينة زراعية تقليدية أن تطور صناعة جديدة تماما، من خلال الاستفادة من الظروف المحلية.
ولا تكمن أهمية هذه التجربة في حجم القدرة الحاسوبية وحده، بل في الفكرة التي تقف وراءها: ليس من الضروري أن تُنشأ مراكز الحوسبة في المدن الساحلية الكبرى، بل يمكن إقامتها في المناطق التي تتمتع بظروف طاقة أكثر ملاءمة، ما دامت شبكات الاتصال قادرة على ربطها ببقية المناطق، والكهرباء متاحة لتشغيلها، والكوادر البشرية وخدمات التشغيل والصيانة قادرة على مواكبة احتياجاتها.
الكهرباء النظيفة أساس القدرة الحاسوبية
تؤدي زيادة القدرة الحاسوبية إلى مشكلة مباشرة تتمثل في ارتفاع استهلاك الطاقة. فإذا استمرت مراكز البيانات في الاعتماد على الكهرباء المولدة من الفحم، فإن توسع الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة انبعاثات الكربون.
لذلك، لا تركز الصين في مبادرة نقل البيانات من الشرق إلى الغرب على إنشاء مراكز الحوسبة في المناطق الغربية فحسب، بل تؤكد أيضا ضرورة تشغيلها باستخدام الكهرباء النظيفة.
وتتصل أعداد متزايدة من مراكز البيانات الكبرى في غربي الصين بمصادر طاقة الرياح والطاقة الشمسية. كما تعتمد بعض المشروعات على نموذج متكامل يجمع بين مصادر الطاقة وشبكات الكهرباء والأحمال الكهربائية وأنظمة التخزين، بما يتيح تشغيل مراكز البيانات بالتنسيق مع محطات الطاقة المتجددة. فعندما تتوافر الرياح وأشعة الشمس بكثرة، يمكن زيادة الاستفادة من الكهرباء المنتجة، وعندما ينخفض إنتاج الطاقة المتجددة، يمكن تعديل الأحمال الكهربائية وفقا للظروف المتاحة.
ولا تقتصر أهمية هذا النموذج على خفض تكاليف الكهرباء، بل تتمثل أيضا في جعل نمو القدرة الحاسوبية يسير بالتوازي مع التحول نحو الطاقة النظيفة.
القدرة الحاسوبية يجب أن تخدم الإنسان في النهاية
القدرة الحاسوبية ليست غاية في حد ذاتها، بل ينبغي أن تنعكس على تطبيقات ملموسة: تسريع تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وتحسين دقة التنبؤات الجوية، ورفع كفاءة فحص جودة المنتجات في المصانع، وتمكين الطلاب في المناطق النائية من الاستفادة من أدوات التعليم الذكي.
وبالتوازي مع تطوير البنية التحتية للحوسبة، تعمل الصين أيضا على توسيع نطاق الاستفادة منها. فبعض مراكز الحوسبة المحورية في المناطق الغربية لا تخدم الشركات الكبرى وحدها، بل تتيح موارد حاسوبية أيضا للشركات الصغيرة والمتوسطة ومؤسسات البحث العلمي.
وبذلك، لم تعد القدرة الحاسوبية موردا مخصصا لعدد محدود من المؤسسات، بل بدأت تتحول تدريجيا إلى نوع من البنية التحتية العامة.
ويتوافق هذا التوجه مع مبدأ إتاحة فوائد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، الذي تؤكد عليه الصين في حوكمة هذا المجال. فالتقدم التكنولوجي مهم، لكن لا ينبغي أن تقتصر فوائده على قلة من المستفيدين. وباعتبار القدرة الحاسوبية موردا أساسيا في عصر الذكاء الاصطناعي، ينبغي إتاحة الفرصة أمام مزيد من الدول والفئات للمشاركة في الاستفادة منها.
إن تجربة الصين في توزيع مراكز الحوسبة تستند إلى ظروفها الخاصة، بما في ذلك توزيع موارد الطاقة والمناخ واحتياجات القطاعات الصناعية. وتختلف ظروف كل دولة عن الأخرى، ولذلك لا يمكن أن تتبع جميع الدول المسار نفسه في بناء قدراتها الحاسوبية.
فبعض المناطق قد تجد أن توليد الكهرباء باستخدام الغاز الطبيعي هو الخيار الأنسب لتشغيل مراكز البيانات، بينما قد تعتمد مناطق أخرى على الطاقة الشمسية، وقد يكون من المناسب في أماكن معينة إنشاء مراكز البيانات على السواحل والاستفادة من مياه البحر في التبريد.
وتعمل الدول العربية أيضا على تطوير قدراتها الحاسوبية. فمناطق الخليج تتمتع بوفرة أشعة الشمس، وتكاليف الطاقة فيها منخفضة نسبيا، كما أن موقعها الجغرافي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهي عوامل توفر أساسا ملائما لتطوير مراكز البيانات.
وفي الوقت نفسه، تفرض درجات الحرارة المرتفعة تحديات إضافية على عمليات التبريد، كما ينبغي أخذ محدودية الموارد المائية في الحسبان. وتتقاطع هذه التحديات، في بعض جوانبها، مع مسائل واجهتها الصين أثناء إنشاء مراكز الحوسبة في مناطقها الغربية، مثل كيفية ضمان إمدادات مستقرة من الكهرباء النظيفة، وتحسين التبريد في المناخات الجافة، وتنسيق تشغيل مراكز الحوسبة مع شبكات الكهرباء. ومع ذلك، تظل لكل منطقة ظروفها وتحدياتها الخاصة.
وقد راكمت الصين بعض الخبرات من خلال مبادرة نقل البيانات من الشرق إلى الغرب، لكنها لا تزال تعمل على معالجة تحدياتها الخاصة. وبالمثل، ستجد الدول العربية الحلول التي تناسب ظروفها واحتياجاتها عند تطوير بنيتها التحتية للقدرة الحاسوبية.
إن كيفية جعل القدرة الحاسوبية موردا مستداما يدعم التنمية تمثل قضية مشتركة تواجه الصين والدول العربية في عصر الذكاء الاصطناعي.
لكل دولة مسارها الخاص، وقد تختلف هذه المسارات من مكان إلى آخر، لكن الاتجاه العام مشترك: أن تكون القدرة الحاسوبية في خدمة الإنسان والتنمية.
** صحفية في شبكة "CGTN" العربية