يضم حوارا للخطاط العماني أحمد المريخي
يحتل الخط العربي مكانة متميزة في الثقافة العربية والإسلامية، بوصفه فناً تشكلت ملامحه عبر قرون من الممارسة والتطوير، وتداخلت فيه دقة القواعد مع جماليات التكوين وأبعاد التعبير الثقافي والروحي. وفي هذا السياق، يأتي كتاب (رحلة الحرف العربي: مسارات ورؤى في تحولات الخط) للباحث والإعلامي وحيد تاجا، الصادر عن دار الفكر بدمشق في 352 صفحة من القطع الكبير، ليقدم قراءة حوارية في تجارب الخطاطين والفنانين، وما تثيره من أسئلة حول تاريخ هذا الفن وواقعه ومستقبله.
تنبع خصوصية الكتاب من اعتماده الحوار مدخلاً إلى المعرفة الفنية، إذ يتيح للمشاركين عرض تجاربهم ومناهجهم، وشرح مواقفهم من القواعد الموروثة وحدود التجديد، فضلاً عن استعادة جوانب من مساراتهم التعليمية والإبداعية. وتُرفق الحوارات بنماذج بصرية مختارة من أعمال المشاركين، تتيح للقارئ معاينة تجاربهم الفنية إلى جانب ما يطرحونه من أفكار ورؤى. وفي تقديمه للكتاب، يرى الباحث الأكاديمي الدكتور إدهام محمد حنش : أنه يمثل إضافة نوعية إلى التأليف المتخصص في الخط العربي، من خلال توثيق تجارب المبدعين وأفكارهم، إلى جانب المؤلفات التاريخية والتعليمية التي تناولت أصول هذا الفن وقواعده.
ويضم الكتاب 26 حواراً مع خطاطين وفنانين من عشرة بلدان هي سوريا والعراق وفلسطين والأردن ومصر والمغرب والجزائر وتونس وسلطنة عمان وإيران. وينتظم المحتوى في ثلاثة أقسام تتناول الخط الكلاسيكي، والحروفية، والتصميم الرقمي، بما يعكس تنوع المقاربات الفنية للحرف العربي واختلاف السياقات التي يتحرك ضمنها.
في القسم الأول، تتناول الحوارات أصول الخط وقواعده ومدارسه، وعلاقة الإتقان بالممارسة والتدريب، كما تستعيد محطات من تاريخه وأعلامه، وتضيء الفروق الجمالية بين تقاليده الإقليمية، من المدرسة العثمانية إلى الإيرانية والمغاربية وغيرها. ولا يقتصر هذا الجانب على عرض الخبرات الفنية، بل يكشف أيضاً عن أهمية التلقي والتوارث والتعليم في استمرار المعرفة الخطية وتطورها.
أما قسم الحروفية، فيفتح النقاش حول انتقال الحرف من وظيفته الكتابية إلى فضاء التشكيل البصري، وما يتيحه ذلك من إمكانات تعبيرية، وما يثيره من أسئلة حول العلاقة بين التجريب التشكيلي والمرجعيات الجمالية للحرف العربي. ويأتي قسم التصميم الرقمي ليتناول أثر التكنولوجيا في إنتاج الخطوط وتوظيفها، وحدود الاستفادة من الأدوات الحديثة في الحفاظ على الخصائص الجمالية للكتابة اليدوية.
وعبر هذه المسارات، تتكرر موضوعات تتجاوز الجانب التقني، من بينها روحانية الخط، وعلاقته بالهوية والذاكرة الثقافية، والتوازن بين الأصالة والابتكار، ودور التعليم في نقل المهارات إلى الأجيال الجديدة. كما تتيح الحوارات التعرف إلى تباين وجهات النظر بين الممارسين والباحثين والفنانين، من دون اختزال التجارب المختلفة في رؤية واحدة. وتحضر التجربة العمانية من خلال الخطاط أحمد المريخي، مؤسس منصة (يسطرون)، ضمن هذا التنوع الجغرافي والفني، بما يتيح وضعها في سياق أوسع من التجارب العربية والإسلامية المعاصرة. بهذا المعنى، يقدم كتاب (رحلة الحرف العربي) مادة توثيقية وثقافية تجمع بين الخبرة العملية والتأمل الفني. وتكمن أهميته في جمع هذه التجارب ضمن إطار حواري واحد، يتيح التعرف إلى تعدد الرؤى الفنية وتباين المواقف من القواعد والتجديد، ويساعد على فهم مسارات الخط العربي وتحولاته في الحاضر، من دون فصل ممارساته المعاصرة عن جذورها التاريخية والجمالية.