لندن ـ «القدس العربي»: اكتشف علماء مختصون في علم الأمراض «قدرةً جديدة ومفاجئة لدى الخلايا المناعية»، وقالوا إنها قد تغير فهمنا للمناعة طويلة الأمد ضد العدوى والأمراض، كما إنها قد تفتح الباب أمام الوصول الى طرق جديدة للعلاج من العديد من الأمراض وكذلك كيفية تعزيز جهاز المناعة لدى جسم الانسان بما يجعل البشر يستغنون أكثر وبشكل تلقائي عن العلاجات المصنعة.
وبحسب تقرير نشره موقع «ساينس دايلي» العلمي المتخصص، واطلعت عليه «القدس العربي»، فقد وجد الباحثون في جامعة «ماكغيل» بمقاطعة مونتريال في كندا أن الخلايا التائية (T cells) قادرة على استشعار مدى صلابة الأنسجة المحيطة بها، وتستخدم هذه الإشارات الفيزيائية لتحديد ما إذا كانت ستتحول إلى خلايا ذاكرة مناعية طويلة الأمد، توفر الحماية ضد أي عدوى مستقبلية. ويقول العلماء إنه لسنوات طويلة، ساد اعتقاد بين الباحثين بأن الخلايا التائية هي الذاكرة المقيمة في الأنسجة، وهي خلايا مناعية متخصصة تبقى في أنسجة الجسم بعد الإصابة بعدوى ما، وتستجيب بسرعة في حال عودة التهديد ذاته، وتعتمد بشكل أساسي على إشارات كيميائية لتوجيه سلوكها. إلا أن هذه الدراسة الجديدة التي نُشرت أولاً في دورية «نيتشر إمونولوجي» تتحدى هذا الافتراض؛ إذ وجد الباحثون أن الخلايا التائية قادرة على رصد مدى صلابة الأنسجة المحيطة بها، وتستخدم هذه المعلومات الفيزيائية لتحديد مسار تطورها إلى خلايا ذاكرة طويلة الأمد. وتشير النتائج إلى أن التكيف مع القوى الميكانيكية الأقوى داخل الأنسجة قد يكون عاملاً حاسماً لبقاء هذه الخلايا الوقائية على قيد الحياة بمرور الوقت. وتقول جوديث ماندل، الباحثة الرئيسية والأستاذة في قسم الفسيولوجيا بجامعة ماكغيل: «هذا اكتشاف جوهري ومثير، يغير نظرتنا للخلايا المناعية. فهو يشير إلى أن الخلايا التائية تستطيع استشعار محيطها والتكيف معه، مما يجعل البيئة الفيزيائية عاملاً فاعلاً في تشكيل سلوك هذه الخلايا». وقد جمع هذا البحث علماء من قسم الفسيولوجيا بجامعة ماكغيل، ومركز «آلان إدواردز» لأبحاث الألم، وقسم الهندسة الحيوية، ومركز جامعة ماكغيل الصحي، إلى جانب مؤسسات متعاونة في كل من هولندا والولايات المتحدة. ويقول موقع «ساينس دايلي» إن هذا الاكتشاف يُمكن أن يؤثر على علاجات السرطان والأمراض المناعية، حيث إن فهم كيفية استجابة الخلايا التائية للظروف الفيزيائية قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج الأمراض التي يهاجم فيها الجهاز المناعي أنسجة الجسم السليمة عن طريق الخطأ؛ ويشمل ذلك اضطرابات المناعة الذاتية، والحساسية، والمضاعفات المرتبطة برفض الأعضاء المزروعة. وبحسب التقرير فقد يحمل هذا الاكتشاف أيضاً تداعيات مهمة لأبحاث السرطان، لا سيما فيما يتعلق بالجهود الرامية إلى تحسين العلاجات التي تستخدم الجهاز المناعي لمحاربة الأورام. وتقول ماندل: «غالباً ما تكون الأورام كثيفة، مما يجعل اختراقها مادياً أمراً صعباً على الخلايا المناعية. لذا، فإن فهم كيفية تكيف الخلايا التائية (T cells) مع هذه البيئات قد يساعد الباحثين في تصميم علاجات مناعية للسرطان تكون أكثر قدرة على الوصول إلى الأورام ومهاجمتها». وللتحقق مما إذا كانت البيئة المادية المحيطة تؤثر على سلوك الخلايا التائية، درس الباحثون خلايا مناعية جُمعت من بشر وفئران، ووضعوها داخل هلاميات من الكولاجين صُممت خصيصاً لمحاكاة أنسجة ذات درجات متفاوتة من الصلابة. وكشفت التجارب عن نمط واضح؛ فمع ازدياد صلابة الهلاميات، زاد احتمال اكتساب الخلايا التائية لخصائص ترتبط بـ«الخلايا التائية الذاكرة المقيمة في الأنسجة»، والتي تساهم في توفير حماية مناعية طويلة الأمد. وتشير هذه النتائج إلى أن الخصائص الفيزيائية للأنسجة المحيطة يمكن أن تسهم في تشكيل كيفية تطور الخلايا المناعية، مما يضيف بُعداً جديداً مهماً لفهم العلماء للذاكرة المناعية. ويأمل الباحثون الآن في تحديد المستشعر الجزيئي الدقيق الذي يمكّن الخلايا التائية من رصد بيئتها المادية، حيث إن فهم كيفية تحويل هذا المستشعر للقوى الميكانيكية إلى تغيرات في سلوك الخلية قد يساعد في تفسير الآلية التي يبني بها الجهاز المناعي حمايةً دائمة.