طرق أرون راجاغوبال، وهو مقيم في دبي ويُعدّ من أبرز المتحمسين لطائرة "إيرباص A380"، باباً بلون عاجي ثلاث مرات قبل أن يفتحه.
وما إن يُعبر العتبة، حتى تظهر أريكة جلدية وأسقف مقوّسة أنيقة، ونافذتان تسمحان بدخول ضوء الشمس إلى المكان.
قد يظن الزائر للحظة أنه على متن طائرة، لكن الحقيقة أنه ما يزال داخل شقة راجاغوبال في دبي، حيث أعاد إعادة ابتكار مساحة مستوحاة بدقة من مقصورة "ذا ريزيدنس" (The Residence) فائقة الفخامة، المكونة من ثلاث غرف، والتي كانت تُقدَّم على متن طائرات خطوط الاتحاد للطيران.
قد يبدو استحداث جزء من هذه المقصورة داخل منزل أمراً مبالغاً فيه، إلا أن الأمر يبدو بديهياً بالنسبة لراجاغوبال، الذي ينتمي إلى عشاق الطائرات، وتحديداً أكبر طائرة ركاب في العالم "إيرباص A380"، التي بدأت خدمتها لأول مرة أواخر عام 2007.
وهو أيضاً هواوي بجمع المقتنيات، إذ امتلأت شقتاه في دبي وشقته في مدينة كوتشي الهندية بقطع تذكارية منتقاة بعناية وأجزاء أصلية جرى استردادها من طائرات "A380".
ولم يكتفِ الهندي بذلك، فقد شارك في 45 رحلة افتتاحية لطائرات "A380"، وطاف على متن 96 طائرة مختلفة من هذا الطراز، وقضى ما يقارب 60 يوماً من حياته داخل هذه الطائرات العملاقة ذات الطابقين.
وقال راجاغوبال خلال مكالمة فيديو مع CNN: "ربما يكون هذا أعظم شغف في حياتي، فقد منحني الكثير من السلام والبهجة".
تعود جذور شغف راجاغوبال بوسائل النقل إلى طفولته، قبل سنوات طويلة من ظهور طائرة "A380" في الساحة.
فقد نشأ في مدينة كوتشي الساحلية جنوب الهند، وكان منذ نعومة أظفاره مفتوناً بالقطارات والحافلات وسفن الشحن.
وعززت والدته هذا الاهتمام، إذ كانت ترسله بانتظام في رحلات قطارية تمتد لأيام عبر الهند برفقة أقارب أكبر سناً منه.
كما يحتفظ بذكريات السفر في رحلات جوية مبكرة، غالباً ما كانت داخلية، قبل أن تنتقل عائلته إلى سلطنة عُمان حين كان في التاسعة من عمره.
غير أن ضائقة مالية واجهتها العائلة أوقفت سفره لمدة 13 عاماً، قبل أن يستأنف تدريجياً رحلاته الجوية مع انطلاق مسيرته المهنية في كتابة المحتوى الإعلاني والرقمي.
وفي بداية حياته المهنية، انضم راجاغوبال إلى وكالة "Wunderman"، وشارك بحسب قوله في مشاريع من بينها إعادة بناء العلامة التجارية لطيران عُمان عام 2008.
ورغم مكانته اليوم بين أشد المعجبين بطائرة "إيرباص A380"، فإن تجربته الأولى على متنها، في رحلة لطيران الإمارات من دبي إلى لندن في مارس/آذار 2009، لم تترك انطباعاً قوياً عنده.
لكن التحول الحقيقي حدث في رحلته الرابعة المتجهة إلى سنغافورة، حيث قال إن تلك التجربة أدهشته ومنحته إحساساً بـ"مستوى جديداً تماماً من الراحة".
ومنذ ذلك الحين، لم يفوّت أي فرصة للطيران على متن طائرات "A380".
وفي عام 2012، التحق راجاغوبال بالعمل لدى "طيران الإمارات"، وقضى أكثر من ثماني سنوات في إدارة حسابات التواصل الاجتماعي، وهو منصب منحه فرصة قريبة غير مسبوقة من أبرز طائرات الشركة أثناء عمليات التسليم والرحلات الافتتاحية والمعارض الجوية.
وغادر قطاع الطيران عام 2020 ليعمل في مجال الاتصالات لدى شركة "Oracle" للتكنولوجيا، وهو ما دفعه إلى الشروع في جمع المقتنيات المرتبطة بعالم الطيران.
وتتخذ شقة راجاغوبال، المؤلفة من غرفة نوم واحدة في دبي، اليوم شكل متحف خاص مخصص للطيران.
وتضم مجموعته الغنية مقعدين من الدرجة الأولى كانا على متن أول طائرة "A380" لطيران الإمارات، إضافة إلى ذراع مكابح التوقف، وهوائيات، وأحزمة أمان، وشهادات خاصة بالرحلات الافتتاحية.
كما تحولت عجلة من طائرة "A380" بعد إعادة تدويرها إلى طاولة، وتجاورها مصابيح من مقصورة الدرجة الأولى.
وبوصفه جامع تحف، يضع راجاغوبال الجودة قبل الكمية، ويختار قطعه اعتماداً على تفردها وارتباطه العاطفي بها وفائدتها العملية.
وقد رفض الهندي، على سبيل المثال، طرف جناح من طائرة "A380" وقطعاً أخرى لأنها لم ترقَ إلى مستوى معاييره.
ومن أضخم ما يملك مقصورة "ذا ريزيدنس" التابعة لخطوط الاتحاد للطيران، والتي يصفها بأنها "قمة الفخامة في عالم الطيران التجاري".
وقد سافر في هذه المقصورة ذات الغرف الثلاث سبع مرات.
وعند إطلاق شركة الاتحاد للطيران لهذه المقصورة عام 2014، تجاوزت مواصفاتها معايير الدرجة الأولى المعتادة، إذ ضمت مساحة تضم غرفة معيشة خاصة، وغرفة نوم مزدوجة منفصلة، وحماماً داخلياً.
وكان راجاغوبال معجباً بشكل خاص بأريكة "بولترونا فراو" الجلدية، ولذلك حين شاهد المقصورة مفككة لأول مرة في ورشة "Wings Craft" الإماراتية المتخصصة في إعادة تدوير الطائرات، اقتصرت رغبته في البداية على المقعدين اللذين يشكلان الأريكة.
لكن مؤسس "Wings Craft"، فواز محمد علي، كان يحمل تصوراً أكثر طموحاً.
يوضح راجاغوبال أن "فواز كان شغوفاً للغاية، وكانت لديه رؤية واضحة. وقال لي: من الأفضل أن تأخذ المقصورة بأكملها. سنجعلها تبدو رائعة حقاً من أجلك".
ولم يكن الأمر مجرد نقل المقصورة إلى شقته، بل مشروع ترميم وتعديل استغرق نحو عام كامل.
والمثير أن المقصورة ما تزال تعمل بكامل وظائفها، إذ تضم تلفازاً مصنوعاً خصيصاً بمقاس 32 بوصة، وستائر نوافذ تعمل آلياً، ومنافذ شحن "USB" ونظام إضاءة، وأبواباً منزلقة تحفظ الخصوصية.
وامتنع راجاغوبال عن ذكر المبلغ الذي دفعه مقابل المقصورة، لكنه أكد أن قيمة هذا الاستثمار كانت تعادل سعر سيارة.
وبما أنه يحمل جواز سفر هندي (جاء في الربع الأخير من مؤشر "هينلي" لجوازات السفر لعام 2026، الذي يرتب جوازات السفر وفق عدد الوجهات المتاح زيارتها دون تأشيرة)، فهو ملزم بإجراءات متعددة قبل السفر قد لا يواجهها أصحاب الجوازات الأقوى أبداً.
وأكد قائلاً: "لم أنشأ في بيئة ذات امتيازات خاصّة. بالنسبة لي، أصبحت طائرة إيرباص A380 رمزاً للطموح وقوة الأحلام. لهذا السبب، أشعر أنّ رحلتي للوصول إلى هنا تحمل معنى أعمق بكثير من مجرد الوصول إلى الوجهة نفسها".