تونس ـ «القدس العربي»: لم تعد المدينة مجرد إطار جغرافي يحتضن الأنشطة الثقافية والفنية، بل أصبحت، في التجارب المسرحية المعاصرة، جزءا من العرض نفسه وعنصرا فاعلا في تشكيل دلالاته الجمالية والإنسانية. فالشوارع والساحات والحدائق والمعالم التاريخية ليست فضاءات صامتة أو أماكن عبور عابرة، وإنما يمكن أن تتحول إلى مسارح مفتوحة تستعيد من خلالها الثقافة صلتها بالحياة اليومية، ويجد الفن طريقه إلى الجمهور خارج الأطر التقليدية للقاعات المغلقة. ومن هذا المنطلق، تحتضن مدينة توزر، الصحراوية السياحية، عاصمة الواحات ومنطقة الجريد والواقعة في الجنوب الغربي لتونس، فعاليات الدورة الثانية لملتقى مسرح الجنوب، تحت شعار «المدينة والمسرح». وتسعى هذه التجربة الفنية إلى استكشاف العلاقة بين الفعل المسرحي والمجال الحضري، وإعادة التفكير في دور الثقافة داخل الفضاء العام. ويكتسب اختيار مدينة توزر الساحرة لاحتضان هذه التظاهرة أهمية تتجاوز بعدها التنظيمي، بالنظر إلى ما تختزنه هذه المدينة والجهة عموما من رصيد تاريخي وحضاري وجمالي، يجعل من المكان شريكا في التجربة الفنية لا مجرد خلفية لها. فالجنوب التونسي، بما يحمله من خصوصية عمرانية وتراثية وذاكرة اجتماعية غنية، يتيح إمكانيات واسعة لتطوير أشكال مسرحية تستلهم المكان وتعيد اكتشافه، وتمنح الجمهور فرصة مختلفة للتفاعل مع العروض، بعيدا عن المسافة التقليدية التي تفصل المتفرج عن الخشبة. ومن هنا، يبدو شعار «المدينة والمسرح» مدخلا لطرح أسئلة ثقافية وفنية أوسع بشأن علاقة الإبداع بالمحيط. ومدخلا أيضا لطرح أسئلة تتعلق بقدرة المسرح على تحويل الفضاءات اليومية إلى أماكن للقاء والتأمل والحوار. ولا تقتصر أهمية المنتدى على استضافة عروض مسرحية متنوعة، بل تتمثل أيضا في السعي إلى إخراج الفن من حدوده المألوفة، وإدماجه في النسيج الحضري والتراثي لمدينة الصحراء والينابيع والواحات وتمور دقلة النور، بما يفتح المجال أمام جمهور أوسع ويقرب الممارسة الثقافية من الحياة اليومية. وتندرج العروض المبرمجة في عدد من الفضاءات المفتوحة والمعالم ذات القيمة التاريخية، من بينها متحف دار شريط العجائبي، وتل رأس العين، والحدائق العمومية، وهي أماكن تتيح للعرض المسرحي أن يدخل في علاقة مباشرة مع محيطه، وأن يستفيد من خصوصية المكان في بناء أجوائه وتوسيع إمكانياته التعبيرية. وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في سياق البحث عن صيغ جديدة لتنشيط الحياة الثقافية خارج المراكز التقليدية، إذ يمكن للمسرح في الفضاء العام أن يساهم في إعادة اكتشاف المعالم المحلية، وإحياء علاقتها بالسكان والزوار، وتحويلها إلى نقاط التقاء بين الفن والذاكرة والهوية. كما تمنح هذه التجربة المتفرج فرصة المشاركة في حدث ثقافي لا يتطلب بالضرورة دخول قاعة عرض، بل يمكن أن يصادف المتفرج هذا الحدث في حديقة أو ساحة أو موقع تراثي من تلك التي تعح بها توزر، فتتغير بذلك طبيعة العلاقة بين الجمهور والعمل الفني، ويصبح التفاعل أكثر انفتاحا على المكان والناس وما يحيط بهم من تفاصيل. يحضر البعد الرمزي والفني في برنامج المنتدى من خلال فقرة تكريمية للشاعر التونسي الكبير وابن مدينة توزر الملقب بشاعر الخضراء أبي القاسم الشابي، وذلك في مبادرة تستحضر مكانة أحد أبرز الأسماء في الذاكرة الأدبية التونسية والعربية، وتفتح المجال أمام التقاء الشعر بالموسيقى والرقص والتعبير الجسدي. وقد شهدت هذه المناسبة أيضا تقديم حفل سينفوني لأوركسترا قرطاج السيمفونية بقيادة حافظ مقني، في محطة موسيقية تمنح البرنامج بعدا مختلفا، وتؤكد إمكانات التفاعل بين الفنون ضمن تظاهرة تستند إلى الحوار بين التعبيرات الجمالية المتنوعة. وتلت الحفل السيمفوني فقرة راقصة، لتتشكل بذلك مساحة فنية تجمع بين الموسيقى والحركة والتعبير الجسدي، وتستعيد بطريقة معاصرة العلاقة بين الإيقاع والجسد والذاكرة. ويكتسب هذا التنوّع دلالته من كونه يوسع مفهوم المنتدى المسرحي، فلا يحصره في العرض الدرامي بمعناه الضيق، وإنما يجعله فضاءً مفتوحا على أشكال فنية متقاطعة، قادرة على إثراء تجربة الجمهور وتقديم مقاربات مختلفة للعلاقة بين الفن والمدينة. وفي ما يتعلق بالعروض المسرحية، يتضمن البرنامج مسرحية «سر السعادة» التي تقدمها شركة فصيل للإنتاج المسرحي من المنستير، وبالتالي فالبرنامج يتضمن حضور التجارب المسرحية القادمة من جهات تونسية مختلفة، بما تحمله من تصورات فنية وأساليب تعبير متنوعة. ويتيح هذا الحضور فرصة للتعريف بالإنتاج المسرحي خارج المراكز الكبرى، كما يساهم في إبراز حيوية المشهد الثقافي الجهوي وقدرته على تقديم أعمال تستحق الوصول إلى جمهور أوسع. ويولي المنتدى اهتماما كذلك بمسرح الطفل والعائلة، من خلال عرض «الحكاية العجيبة» الذي تقدمه جمعية مسرح نفطة، في اختيار ينسجم مع فكرة تقريب الفنون من مختلف الفئات العمرية، ويجعل المسرح جزءا من التجربة الثقافية للأطفال والأسر. فمسرح الطفل لا يقتصر على الترفيه أو تقديم الحكايات، بل يساهم في تنمية الخيال، وتعزيز القدرة على التعبير، وفتح المجال أمام اكتشاف العالم من خلال الشخصيات والأحداث والصور المسرحية. كما يمثل حضور الأطفال والعائلات داخل الفضاءات الثقافية فرصة لتأسيس علاقة مبكرة مع الفنون، بما يساعد على تنمية جمهور جديد للمسرح وترسيخ الثقافة بوصفها ممارسة اجتماعية مشتركة. وتتواصل هذه المقاربة من خلال مسرحية «رحلة ياسمين» التي تقدمها جمعية قليبية للمسرح والتنشيط الثقافي، بما يوسع خريطة المشاركات الجهوية ويؤكد أهمية الجمعيات الثقافية في تنشيط الحياة الفنية وإنتاج الأعمال المسرحية. ويكشف تنوع هذه المشاركات عن رغبة في جعل المنتدى ملتقى لتجارب مختلفة، تلتقي في توزر وتتبادل خبراتها، وتمنح الجمهور فرصة الاطلاع على نماذج من الإنتاج المسرحي التونسي، تتباين في مواضيعها وأساليبها وطرق مخاطبتها للمتفرج. ولا يغيب الشعر عن البرنامج، إذ تتخلل فعاليات المنتدى قراءات شعرية يشارك فيها عدد من الشعراء التونسيين، في استعادة للعلاقة التاريخية بين الشعر والمسرح، باعتبارهما مجالين يلتقيان في اللغة والصورة والإيقاع والقدرة على التعبير عن التجربة الإنسانية. فالكلمة الشعرية، عندما تُقدم في فضاء مفتوح أو ضمن تظاهرة تجمع مختلف الفنون، تتجاوز حدود القراءة التقليدية لتصبح فعلا أدائيا يرتبط بالحضور والصوت والمكان، وهو ما ينسجم مع توجه المنتدى نحو توسيع أشكال التفاعل بين الجمهور والإبداع. تتواصل برمجة المنتدى من خلال عروض أخرى تراهن على التنوع الفني وعلى استثمار الفضاءات الثقافية والتراثية بمدينة توزر. ومن بين الأعمال المنتظرة مسرحية «الفانوس الصغير» التي تقدمها جمعية جوهرة الفنون من سوسة، ومسرحية «الوهم» لمحمد السعيدي، المبرمجة في متحف دار شريط. ويمنح إدراج هذه الأعمال في فضاء ذي طابع تراثي فرصة لإقامة حوار بين العرض والمكان، بحيث لا يكون المتفرج أمام عمل فني معزول عن محيطه، بل أمام تجربة يمكن أن تتفاعل فيها الذاكرة المعمارية والفضاء البصري والأداء المسرحي. كما يحضر البعد الموسيقي بما يعزز انفتاح المنتدى على أشكال تعبير لا تنحصر في المسرح وحده، وإنما تتقاطع معه في الإيقاع والأداء والتواصل المباشر مع الجمهور. وتساهم مثل هذه الفقرات في خلق أجواء ثقافية متنوعة داخل المدينة، وتمنح التظاهرة طابعا احتفاليا يربط بين العرض الفني والفضاء العام، ويجعل المشاركة الثقافية تجربة تتجاوز حضور مسرحية واحدة إلى الإنخراط في برنامج متكامل من الأنشطة. ويتضمن البرنامج أيضا حضور الشاعر سيد التابعي، إلى جانب فقرة للحكواتي يقدّمها العروسي الزبيدي. ويعيد فن الحكواتي الإعتبار إلى الذاكرة الشفوية وإلى قدرة الراوي على بناء عالم متخيل بالكلمة والصوت والإيماءة، وهي عناصر تتقاطع مع جوهر الفعل المسرحي وتؤكد أن التعبير الفني لا يبدأ بالضرورة من النص المكتوب، بل يمكن أن ينبع من الحكاية المتوارثة والتجربة اليومية والذاكرة الجماعية. كما يتيح هذا اللون من الأداء تواصلا مباشرا مع الجمهور، يستعيد فيه الراوي تقاليد السرد الشفوي ويمنحها حضورا جديدا داخل تظاهرة معاصرة. وتُختتم فعاليات المنتدى بمقر جمعية مسرح الجريد، من خلال عرض مسرحية «وضعية بلاستيكية» التي تقدمها جمعية مسرح الشعب من حمام سوسة. وتأتي هذه المحطة لتؤكد استمرار حضور التجارب المسرحية القادمة من مناطق مختلفة من البلاد، ولتمنح الجمهور موعدا أخيرا مع عرض يندرج ضمن البرنامج الختامي للتظاهرة. وتتواصل فقرات الإختتام في دار شريط، حيث تُقدم الشاعرة أحلام فتيتة قصيدة شعرية، قبل عرض «إيقاع» من إنتاج تاكابس للإنتاج والتوزيع المسرحي. ويؤكد هذا الاختيار الختامي على أحد المحاور الأساسية التي تطبع البرنامج، وهو الحوار بين مختلف أشكال الفنون. كما يمنح تنظيم الإختتام في أكثر من فضاء للمنتدى فرصة لتأكيد علاقته بالمدينة الجنوبية التونسية الساحرة، باعتبارها مجالا حيا تتوزع فيه الأنشطة وتلتقي داخله التجارب الفنية والجمهور. إن أهمية الدورة الثانية من منتدى المسرح بالجنوب لا تُقاس بعدد العروض وحدها، بل أيضا بما تطرحه من إمكانيات لإعادة التفكير في وظيفة المسرح داخل المجتمع، وفي العلاقة بين الثقافة والمكان، وبين المؤسسات الفنية والفضاءات التي يعيش فيها الناس ويتحركون فيها يوميا. فحين يغادر المسرح القاعات التقليدية ويتجه إلى الحدائق والمعالم التاريخية والساحات المفتوحة، فإنه لا يغير مكان العرض فحسب، وإنما يختبر أيضا طرقا أخرى للوصول إلى الجمهور، ويمنح الفضاء العام قدرة إضافية على احتضان النقاش والتخييل والتعبير. وفي مدينة مثل توزر الصحراوية السياحية الجميلة موطن النخيل وواحات تمور دقلة النور، والتي تتقاطع فيها الذاكرة المحلية مع المقومات السياحية والتراثية والطبيعية، يمكن لهذه التجربة أن تساهم في تنشيط الحياة الثقافية، وفي تعزيز حضور المبدعين والجمعيات، وفي تقديم صورة عن الجنوب التونسي بوصفه مجالا للإنتاج الفني والمبادرة الثقافية، لا فقط وجهة سياحية. كما أن استمرار مثل هذه التظاهرات وتطويرها يقتضي توفير شروط الاستدامة، وتعزيز التعاون بين الفاعلين الثقافيين، وتوسيع مشاركة المؤسسات التعليمية والجمعيات المحلية، حتى لا تبقى العروض مناسبات ظرفية، بل تتحول إلى جزء من حياة المدينة. وهكذا، يقدم منتدى المسرح بالجنوب في دورته الثانية تصورا يجعل من المدينة شريكا في صناعة التجربة المسرحية، ومن التراث عنصرا قابلا للحوار مع الإبداع المعاصر، ومن الجمهور طرفا أساسيا في الحياة الثقافية. وبين الموسيقى والشعر والرقص ومسرح الطفل والعروض الدرامية وفن الحكواتي، تتحول توزر التونسية إلى فضاء مفتوح للتلاقي الفني، حيث لا يكتفي المسرح بعرض الحكايات على الخشبة، بل يسعى إلى اكتشاف حكايات المكان نفسه، وياله من مكان ساحر ذلك الفضاء التوزري من بلاد الجريد التونسية، وإلى إعادة وصل الفن بالحياة اليومية، في تأكيد على أن الثقافة ليست امتيازا محصورا داخل القاعات، وإنما حق اجتماعي وجمالي يتجدد كلما وجد طريقه إلى الناس والمدينة.
توزر التونسية تحتفي بالمسرح: حين تتحول المدينة السياحية الصحراوية الجنوبية إلى فضاء للإبداع
تونس ـ «القدس العربي»: لم تعد المدينة مجرد إطار جغرافي يحتضن الأنشطة الثقافية والفنية، بل أصبحت، في التجارب المسرحية المعاصرة، جزءا من العرض نفسه وعنصرا فاعلا في تشكيل دلالاته الجمالية والإنسانية. فالشوارع والساحات والحدائق والمعالم التاريخية ليست فضاءات صامتة أو أماكن عبور عابرة...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.