هل يمكن أن يكشف هواء التنفس الذي يخرجه الإنسان عن نوع المرض الذي يصيب رئتيه، دون الحاجة إلى إجراءات تشخيصية معقدة؟ هذا ما تشير إليه دراسة حديثة عُرِضت نتائجها في اجتماع طبي، إذ وجَد الباحثون أن تحليل مواد دهنية دقيقة في هواء الزفير قد يساعد على التمييز بين نوعَين من أمراض الرئة الليفية التي تتشابه أعراضها وصورها الطبية. تفتح هذه النتائج الباب أمام تطوير اختبار التنفس لتشخيص تليف الرئة، وهو منهج قد يجعل التشخيص أقل تدخلًا وأكثر سهولة في المستقبل. لكن هذا الاختبار لا يزال في مرحلة البحث، ويحتاج إلى دراسات إضافية للتأكد من دقته قبل استخدامه على نطاق واسع.
ركّزت هذه الدراسة على مرضَين هما التليف الرئوي مجهول السبب (Idiopathic Pulmonary Fibrosis)، وهو مرض تتشكل فيه ندبات داخل أنسجة الرئة دون سبب واضح، والتهاب الرئة بفرط التحسس الليفي (Fibrotic Hypersensitivity Pneumonitis)، الذي قد يَحدث نتيجة استجابة مناعية غير طبيعية لمواد مستنشَقة، مثل بعض أنواع العفَن أو الغبار العضوي، ويؤدي مع استمرار الحالة إلى تندب أنسجة الرئة.
تكمن المشكلة في أن هذين المرضَين قد يتشابهان في الأعراض ونتائج التصوير، وقد يصعب التفريق بينهما حتى عند فحص عينات الأنسجة في الحالات المتقدمة. ومع ذلك، فإن التمييز بينهما مهم وضروري لأن خطة العلاج والتوقعات المستقبلية قد تختلف من مرض إلى آخر.
ولهذا، يبحث العلماء عن وسائل تشخيصية تساعد على تحديد المرض بدقة أكبر؛ وقد يمثل اختبار التنفس لتشخيص تليف الرئة خطوة مهمة في هذا الاتجاه إذا أكّدت الدراسات اللاحقة نتائجه.
حلل الباحثون مواد دهنية تُعرف باسم الشحميات السفينغولية (Sphingolipids)، وهي مركّبات موجودة في أغشية الخلايا تشارك في عمليات متعددة، من بينها تنظيم الالتهاب ووظائف الخلايا.
اختبر الفريق وجود نوع محدد منها، يُسمى سفينغومَيِلين C24:0 (Sphingomyelin C24:0)، في السائل المتكثف من هواء الزفير (Exhaled Breath Condensate). يُجمع هذا السائل عندما يبرد هواء الزفير ويتحول جزء من رطوبته إلى عينة يمكن تحليلها في المختبر.
وتكمن أهمية هذه الطريقة في أنها قد تعكس بعض التغيرات الكيميائية داخل الرئتين مباشرة، بدلًا من الاعتماد على تحليل الدم وحده الذي يقدم معلومات عن الجسم بصورة أشمل.
شملت الدراسة 101 مشاركًا قدموا عينات دم، بينهم 28 شخصًا سليمًا و33 مصابًا بالتليف الرئوي مجهول السبب و40 مصابًا بالتهاب الرئة بفرط التحسس الليفي. وقدّم 49 مشاركًا عينات من هواء الزفير المتكثف.
وأظهَرت النتائج أن تحليل سفينغومَيِلين C24:0 استطاع التنبؤ بالتهاب الرئة بفرط التحسس الليفي بدقة بلغت 80%، وبالتليف الرئوي مجهول السبب بدقة بلغت 85.7%. وبلغت قيمة المساحة تحت منحنى التمييز (AUC)، وهو مقياس يوضح قدرة الاختبار على التفريق بين الحالات، نحو 0.897، وهي نتيجة واعدة في هذه الدراسة.
في المقابل، حقق تحليل مادة دهنية في بلازما الدم، وهي الديهيدروسبينغوزين (Plasma Dihydrosphingosine)، دقة تمييز أقل، حيث بلغت قيمة المساحة تحت المنحنى فيها 0.737. وعند الجَمع بين فحص التنفس وتحليل الدم، ارتفعت هذه القيمة إلى 0.906، وهي زيادة محدودة مقارنة بنتيجة اختبار التنفس وحده.
وتشير هذه الأرقام إلى إمكانيات واعدة، لكنها لا تعني أن الاختبار أصبح قادرًا على تشخيص جميع المرضى بدقة مماثلة، لأن النتائج مستمدة من عيّنة بحثية محدودة، ولا تزال بحاجة إلى التحقق منها في مجموعات مستقلة من المرضى.
رغم سهولة جمع عينة الزفير نسبيًا، فإن تحليلها يحتاج إلى إجراءات مخبرية دقيقة، كما أن نتائج الاختبارات قد تتأثر بطريقة جَمع العينات ومعالَجتها. وقد أشارت أبحاث سابقة إلى ضرورة توحيد هذه الإجراءات والتحقق من موثوقية المؤشرات الحيوية قبل اعتمادها سريريًا.
يَعتمد تشخيص أمراض الرئة الليفية حاليًا على مجموعة من المعلومات، تشمل الأعراض، والتاريخ الصحي، والتعرض المحتمل لمواد مسببة للالتهاب، إضافة إلى التصوير المقطعي، واختبارات وظائف الرئة، وقد تتطلب بعض الحالات فحوصًا إضافية.
لذلك، لا يحل اختبار التنفس لتشخيص تليف الرئة محل هذه الوسائل حتى الآن، بل قد يصبح أداة مساعِدة مستقبلية تقلل الحاجة إلى بعض الإجراءات الأكثر تعقيدًا إذا أثبتت الدراسات اللاحقة فائدته.
إذا كنتَ تعاني من ضيق التنفس المستمر أو السعال المزمن، فلا تنتظر ظهور اختبار جديد لكي تراجع الطبيب. فالتشخيص المبكر لأمراض الرئة يساعد على تحديد العلاج المناسب، بينما يظل اختبار التنفس المذكور تقنية بحثية لم تثبت جاهزيتها للاستخدام الروتيني بعد.
قد يَمنح تحليل هواء الزفير الأطباء نافذة جديدة لفهم ما يَحدث داخل الرئتين، ويساعدهم مستقبلًا على التمييز بين أمراض تتشابه أعراضها ونتائج تصويرها. لكن الطريق من النتائج الواعدة إلى الاختبار المعتمَد يحتاج إلى دراسات أكبر، وتحقق مستقل من دقة النتائج، وإجراءات مخبرية موحَّدة.
فهل يصبح تحليل هواء التنفس يومًا بديلًا عن بعض الفحوص المعقدة؟ وهل ستثبت الدراسات المقبلة أن هذه التقنية قادرة على تحسين قرارات العلاج وتقليل مخاطر التشخيص الخاطئ؟ الإجابة مرهونة بما ستكشفه الأبحاث القادمة.