“غرب في شرق".. حين تلتقي ثقافة الغرب بروح الشرق
تتجاور ملامح الحداثة في البحرين مع إرث تاريخي عريق، تنمو ثقافة غير مألوفة قد لا يتوقعها الزائر للوهلة الأولى؛ إنها ثقافة رعاة البقر الأميركيين، التي وجدت لنفسها مكانا في المجتمع البحريني، وتحولت مع مرور السنوات من مجرد إعجاب بأفلام الغرب الأميركي إلى أسلوب حياة وشغف تتوارثه مجموع...
يوثق الفيلم الوثائقي “غرب في شرق للمخرج البحريني الشاب علي محمد الحايكي، حكاية رجل بحريني أصبح شغفه بعالم رعاة البقر وثقافتهم الأميركية جزءا أساسيا من حياته اليومية. ومن خلال قصته، يفتح الفيلم نافذة على ظاهرة ثقافية لافتة، تكشف كيف يمكن لشغف نشأ في بيئة جغرافية وثقافية بعيدة أن يعبر الحدود، ويجد لنفسه جذورا جديدة في مكان مختلف تماما. يمتد الفيلم إلى 20 دقيقة و14 ثانية، وينتمي إلى الإنتاج الوثائقي لعام 2026، ويشارك بنجاح ضمن فعاليات مهرجان البحرين السينمائي.
للوهلة الأولى، قد تبدو عبارة “رعاة البقر البحرينيون" مفارقة ثقافية يصعب استيعابها؛ فما الذي يجمع بين أجواء الغرب الأميركي وقرى البحرين؟ لكن هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، إذ تعود جذورها إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأت مجموعة من البحرينيين، معظمهم من سكان القرى، في الاجتماع لممارسة هوايتهم المفضلة، مرتدين أزياء رعاة البقر الكاملة، من القبعات الأميركية الشهيرة إلى الملابس الجلدية والأحذية المميزة، بينما يمتطون خيولهم في مشهد يستحضر أجواء الغرب الأميركي.
ولم يكن هذا الشغف مجرد تقليد للمظهر الخارجي، بل ارتبط بعلاقة حقيقية مع الخيول، اكتسب أصحابها خبرة طويلة في التعامل معها وفهم طباعها. كما لعبت السينما والتلفزيون دورا مهما في تشكيل هذا الارتباط، بعدما دخلت أفلام الغرب الأميركي الكلاسيكية إلى البيوت البحرينية، حاملة معها صور أبطال مثل جون واين وكلينت إيستوود، وشخصيات صنعت في الذاكرة صورة راعي البقر بوصفه البطل الذي لا يخشى المواجهة، وصاحب الحضور الطاغي في عالم تحكمه المغامرة والحرية.
ومن هنا، لم تعد ثقافة رعاة البقر بالنسبة إلى هؤلاء مجرد أزياء مستوحاة من الشاشة، بل أصبحت جزءا من هويتهم الشخصية والاجتماعية، ومساحة يلتقون فيها حول حب الخيول وركوبها واستعراض مهاراتهم. ويضم هذا المجتمع أكثر من 100 من هواة الفروسية والمهتمين بالأزياء الغربية، تجمعهم روابط وثيقة وشغف مشترك، إلى جانب حضورهم في تجمعات وفعاليات محلية، ووجود متاجر متخصصة في مستلزمات وأزياء الغرب الأميركي، خصوصا في مناطق مثل البديع، فضلا عن مشاركات وفعاليات ذات طابع استعراضي تستلهم تقاليد مسابقات الروديو.
وتكمن أهمية هذه الثقافة في أنها تتجاوز فكرة ارتداء الأزياء التنكرية أو استعادة صورة سينمائية مألوفة. فرعاة البقر البحرينيون لا يجتمعون من أجل تقليد شخصيات الأفلام، بل تجمعهم محبة الخيول وما يرتبط بها من ممارسة وخبرة وتواصل اجتماعي. وهم، إلى جانب كونهم فرسانا، يمتلكون حضورا استعراضيا لافتا، ويظهرون ثقة كبيرة في ممارسة شغفهم، من دون أن يتخلوا عن هويتهم البحرينية التي تظل حاضرة في تفاصيل حياتهم.
ومن أكثر المشاهد غرابة وجمالا في هذه التجربة، رؤية راعي بقر بحريني يمتطي حصانه وسط البيئة الصحراوية في الشرق الأوسط، بدلا من السهول الأميركية التي اعتدنا رؤيته فيها على الشاشة. إنها صورة تبدو للوهلة الأولى وكأنها قادمة من عالمين مختلفين، لكنها سرعان ما تتحول إلى مشهد طبيعي يعكس قدرة الثقافات على الانتقال والتفاعل وإعادة تشكيل نفسها.
في المحصلة، لا يقدم “غرب في شرق" مجرد حكاية عن مجموعة من البحرينيين الذين أحبوا عالم رعاة البقر، بل يرصد جانبا غير مألوف من التنوع الثقافي في المجتمع البحريني، ويطرح تأملا بصريا في علاقة الإنسان بما يختار أن يحبه وينتمي إليه. إنها حكاية يلتقي فيها الشرق بالغرب، ويتبادل الطرفان التحية برفع القبعات، قبل أن يجمعهما شغف واحد بالخيول وحرية الانطلاق.
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.