طرح سؤالٌ نفسه في الأذهان حول وجود تيارات واتجاهات محددة للفيلم الوثائقي، على غرار ما نراه في الاتجاه الرومانتيكي عند روبرت فلاهرتي، أو منهج جون غريرسون الذي يركّز على البعد الإنساني، أو السينما الروسية التي وظّفت الفن لخدمة أهداف أيديولوجية، أو حتى تيار الواقعية في السينما الإيطالية خلال فترات معينة.
غير أن الحقيقة التي يمكن التأكيد عليها هي أن الأفلام الوثائقية تلتزم بالوقائع وتقدمها عبر أساليب متنوعة، حيث يعتمد نجاحها بشكل أساسي على براعة الإخراج وقدرته على استثارة المشاعر لدى الجمهور.
تتمتع المخرجة سناء الزياني بخلفية فنية وإبداعية راسخة، إذ ينحدر والدها الراحل، أحمد الزياني، من بيئة مسرحية وكان معلّمًا وفنانًا مسرحيًا متميزًا. وقد برزت موهبة سناء في صناعة الفيلم الوثائقي، لتُعدّ من أبرز المبدعين في هذا المجال، وتتميز بقلة من المخرجات اللواتي ينجحن في إبراز شخصياتهن بأسلوب فريد داخل أعمالهن.
ورغم سجلها الحافل بالتجارب، كشفت الزياني عن فيلمها الجديد "في كل صدأ حياة جديدة" خلال مهرجان البحرين السينمائي. ينقل الفيلم المشاهد إلى عالم إبداعات الفنان والنحات الكويتي بدر المنصور، الذي ينجح في إحياء القطع المعدنية المهملة (سكراب) وتحويلها إلى قطع فنية تشبه الاختراعات العظيمة، مستعينًا بحسه الفني الرفيع لتحويل الخردة إلى لوحات مبهرة.
نظرًا لقلة المبدعين من طينة بدر المنصور في الساحة العربية، أولت المخرجة أهمية استثنائية لعملها، فلم تكتفِ بالوصف السطحي بل قادت المتفرج في رحلة تعليمية تجمع بين العرض والوصف، غاصت من خلالها في التفاصيل لكشف أبعاد جديدة.
يتميز الفيلم بأسلوب متجدد في التعليق وجمال في تقديم الموضوع، مستندًا إلى فلسفة الزياني التي ترى أن القصة يجب أن تنبع من المكان ذاته الذي تدور فيه الأحداث، مما جعل الرواية تنطلق من منظور "المكان" نفسه.
تتضمن اللقطات الهادئة ذات الإيقاع الجميل مشاهد للفنان بدر المنصور وهو يعيد تشكيل المواد الخردة وتحويلها إلى أعمال إبداعية، وقد صيغت هذه المشاهد بأسلوب سيمفوني رفّع من قيمة العرض الفني، مما جعل كل ما ظهر على الشاشة يجذب الانتباه ويترك أثرًا عميقًا في الأذهان.
يُعد هذا الفيلم سجلًا فريدًا لفنان كبير يمتلك رؤية خاصة للحياة، يميل إلى التأمل الخالص في كل ما يحيط به، حيث تكشف موهبته الواسعة عن الحياة النابضة في قلب كل قطعة خردة.