🔴هل تتبع شغفك أم تتبع رغبة السوق ..!؟ انتشرت مقولة «اتبع شغفك» حتى صارت وصفةً لكل حائر، كأن الحياة تنتظر أن نعرف ما نحب لتفتح لنا أبواب الرزق! لكن قبل أن تسأل: ماذا أحب؟ اسأل: ماذا أُحسن؟ ومن يحتاج ما أُحسن؟ فقد تحب شيئًا لا تجيده، وقد تجيده ولا تجد من يشتريه. يا قوم، إن الشغف متحرك وليس ثابتًا؛ والدليل أنني في الابتدائية تمنيت العمل في مطعم مُطَبَّق حتى أشبع مُطَبَّقًا، ثم في المتوسطة والثانوية قيادة سيارة خط تنقل الركاب من المدينة إلى جدة مرورًا بمحافظة ينبع، ثم التعليم والعسكرية والكتابة والشعر؛ والآن يكفيني أن أكون إنسانًا! فلو اتبعت كل رغبة لاحتجت إلى أعمار متعددة. قد نحب صورة المهنة أكثر من حقيقتها؛ فمن يحب القهوة قد لا يحب إدارة مقهى. وفي بحث نشره بول أوكيف وكارول دويك وغريغوري والتون عام ٢٠١٨، عبر خمس دراسات، ارتبط الاعتقاد بثبات الاهتمامات بتوقع دافع لا ينفد وصعوبات أقل، ثم تراجع الاهتمام أكثر لدى أصحاب هذا التصور عند الصعوبة؛ فالشغف قد ينمو بالممارسة، ولا يلزم أن يسبقهـا. والناس حين يتعاملون مع الشغف ينقسمون إلى أربعة أقسام: أولًا: المندفع، يتبع ما يحب دون أن يختبر قدرته أو حاجة السوق، فيفتح محلًا لهوايته، ثم يكتشف أن الإعجاب لا يتحول بالضرورة إلى قوت. ثانيًا: الزارع، يبدأ بعمل عادي، ثم يتقنه ويرى أثره، فينمو الشغف مع الممارسة. ثالثًا: المحظوظ، يجتمع له الرزق والشغف؛ وتلك نعمة. رابعًا: الموازن، يعمل لقوت يومه، ويترك لشغفه مساحة خارج وظيفته، فلا يحمّل هوايته فواتير العيش. أما اشتراط المتعة في كل عمل ففيه شيء من منطق الطفولة. نبدأ مع الطفل بقصص مسلية، ثم نوسّع قراءاته إلى ما ينفعه، ولو احتاج إلى جهد. وهنا تطل نظرية «تدليع المتلقي»: برأسها لإقناعه بأن الطريق الصحيح لا بد وأن يوافق مزاجه دائمًا و بدون مشقة ، مع أن المشقة قد تكون ثمن التعلم. وقد أدرك أسلافنا الفرق بين متطلبات السوق ورغبات الشغف؛ فتولّى ابن خلدون القضاء وكتب «المقدمة»، ومارس ابن رشد الطب والقضاء وألّف في الفلسفة. ومن يقرأ كتاب «مهن الفقهاء» يجد شواهد على الجمع بين كسب العيش وتلبية الشغف. وفي عصرنا، عمل نجيب محفوظ موظفًا حكوميًا نهارًا، وكتب الأدب مساءً. وعلى هذا النهج، يعمل الإنسان الواعي صباحًا لكسب عيشه، ويترك لشغفه وقتًا بعد العصر، دون أن يشترط أن تكون هوايته مصدر رزقه. حسنًا، ماذا بقي؟ بقي القول: يا طالب المستقبل، قد يكون شغفك جمع عملات أموية وعباسية وفرعونية، لكن هذا الشغف وحده لا يجلب لك الخبز؛ فلو ذهبت بها إلى البقال فقد يُعجب بعملاتك، لكنه لن يقبلها ثمنًا؛ إنه يريد ريالًا سعوديًا قابلًا للتداول ..!
هل تتبع شغفك أم تتبع رغبة السوق ..!؟
يناقش المقال شعار «اتبع شغفك» بوصفه وصفة مبسّطة لا تراعي الكفاءة واحتياجات السوق. يوضح أن الشغف متغير، وقد يحب الإنسان صورة المهنة لا حقيقتها، وأن الشغف يمكن أن ينمو بالممارسة. يقسم الكاتب الناس في تعاملهم مع الشغف إل…
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.