تعدّ منطقة “اللجاة” في ريف محافظة درعا واحدة من أغنى المناطق السورية بالتنوّع الطبيعي والأثري والتراثي، ومتحفاً بازلتياً مفتوحاً تحوّلت وعورته عبر العصور من سمة طبيعية إلى حصن حفظ جانباً مهماً من إرث المكان وشواهده، وجمع بين الظاهرة الجيولوجية الفريدة، والحضور الإنساني الحي في ذاكرة سكانها وعاداتهم وفنونهم الشعبية.
كانت “اللجاة” تعدُّ في نظر العامة ملاذاً يختبئ به أو يفرُّ إليه المطارَدون، أما الباحثون الآثاريون فقد استقَوا أخبارها من المصادر المحلية والخارجية، التي وصفت “اللجاة” بأنها مصدر القلق والإزعاج للممالك حولها في بلاد الشام الجنوبية، وخاصة إبّان عهد الإمبراطورية الرومانية التي حاولت بسط سيطرتها عليها بواسطة شق الطريق المعروف بطريق “دوكلسيان” في وسط “اللجاة”، ووضع المخافر وأبراج المراقبة على جانبيه على نحو يؤمّن سلامة العبور فيه ومراقبة اللصوص الذين قد يجرؤون على الاعتداء على المارة.
وشكّلت المنطقة مقصداً للبحث الأثري، فخلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي ومطلع هذا القرن، تشكّلت بعثات سورية فرنسية كان هدفها الأول إجراء مسح أثري شامل لهذه المنطقة للتعرّف على حضارتها والدور الذي لعبته في حضارة بلاد الشام الجنوبية عامة وحوران خاصة، ومقدار ما تحويه من مواقع أثرية متعددة ومتنوّعة، وما يمكن أن يوجد فيها من لقى أثرية ثابتة ومنقولة تدل على ثقافاتها، فكانت الاكتشافات مبعث تفاؤل للمشتركين في العمل وللباحثين الآثاريين.
كما تعتبر “اللجاة” المعروفة تاريخياً باسم “تراخونيتد” من أكبر الحقول البركانية في جنوب سوريا، وتمتد على مساحة تقرب من 900 كيلومتر مربع بين محافظتي درعا والسويداء، وتتميز بطبيعتها الصخرية الوعرة وشقوقها ومغاورها التي منحتها عبر التاريخ حصانة دفاعية طبيعية، وأسهمت في حماية كثير من شواهدها الأثرية والطبيعية.
وقد أُدرج موقع “اللجاة” على قائمة التراث في منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة “إيسيسكو” منتصف العام الجاري، ليعيد تسليط الضوء على فرادة هذا الموقع، ويؤكد المكانة الحضارية للموروث السوري على المستويين الإقليمي والدولي.
وتُعدّ “اللجاة” من أبرز الظواهر الجيولوجية في المنطقة، وتُعرف علمياً باسم “الحرّة السوداء”، وقد تشكّلت نتيجة تدفّقات الحمم البركانية القادمة من براكين جبل العرب الخامدة قبل ملايين السنين، ما أوجد مشهداً طبيعياً استثنائياً يتألف من صبات بازلتية صلبة، وتلال متموّجة، وأودية صخرية عميقة، ومخاريط بركانية، وخفان أسود.
ولا تقتصر فرادة الموقع على قيمته الجيولوجية، بل تمتد لتشمل قيمته البيئية والثقافية والأثرية، ما جعله من المواقع النادرة التي تجمع بين التراث الطبيعي والتراث الإنساني في آن واحد.
لم تكن الطبيعة الصخرية الصعبة في “اللجاة” مجرد ظاهرة جيولوجية نادرة، بل شكّلت عبر العصور حاضنة للاستقرار البشري، ومجالاً لتراكم طبقات متعدّدة من التاريخ، فالمنطقة تضم أكثر من 500 موقع أثري، يعود بعضها إلى ما قبل التاريخ والعصر البرونزي، وصولاً إلى العهود اليونانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، وبذلك بقيت شواهد عمرانية وأثرية كثيرة توثّق تعاقب الحضارات على هذه البقعة من جنوب سوريا.
وتتوزّع المواقع الأثرية في “اللجاة” على مساحات واسعة من المنطقة، وتشمل مواقع تعود إلى مراحل تاريخية مختلفة، من بينها مواقع العصر البرونزي، التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وتنتشر على الأطراف الداخلية والخارجية، وتضم تسعة مواقع أساسية، أبرزها: “خربة لبوة، وتل دبة بريكة، وكوم الصوان، وكوم المغاربة، وكوم الرمان، وموقع الشرايع”.
ومن أبرز المواقع الأثرية في المنطقة الموقع الأثري “سحر اللجاة”، الواقع شرق بلدة “المسمية”، حيث عُثر فيه على معبد يوناني قديم ومسرح روماني صغير للموسيقا، إلى جانب أكثر من 3000 قطعة ومنحوتة أثرية متقنة لتماثيل بشرية وحيوانية وعربات تجرّها الأسود.
كما تضمّ “اللجاة” مدناً وقرى أثرية متكاملة، مثل بلدة “المسمية” العائدة إلى الفترة الرومانية، ومواقع “شعارة، وأم الزيتون، وإزرع”، التي تضم كنيسة “القديس جاورجيوس” الأثرية، إضافةً إلى قصور وقلاع وأبراج مراقبة وآبار مياه محفورة في الصخر البازلتي، ما يعكس تنوّع الوظائف العمرانية والدفاعية والمعيشية التي عرفتها المنطقة عبر تاريخها الطويل.
وأُعلنت “اللجاة” محمية حراجية طبيعية عام 2006 على مساحة نحو 2000 هكتار، قبل أن تعتمدها منظمة “اليونسكو” عام 2009 كأول محمية سوريّة ضمن الشبكة العالمية لمحميات الإنسان والمحيط الحيوي.
وتحتضن المنطقة تنوّعاً نباتياً مميّزاً يضم أنواعاً نادرة، منها “البطم الأطلسي” و”اللوز البري” و”الزعرور” و”السوسن الحوراني”، إلى جانب تنوّع حيواني مهم يشمل الضبع المخطّط والذئب والثعلب والغرير الأوراسي.
كما تضمّ “اللجاة” أكثر من 42 نوعاً من الطيور المهاجرة والمستوطنة، جرى توثيقها بالتعاون مع الجمعية الملكية البريطانية لحماية الطبيعة، ما يمنح الموقع أهمية بيئية وعلمية إضافية.
وتشتهر المنطقة بـ”الشعر النبطي” والأغاني التراثية الجنوبية مثل “الهجيني” و”الجوفية” و”العتابا” و”الدبكة الحورانية”، وهي عناصر من التراث الشفهي المتوارث التي تشكّل جزءاً مهمّاً من الهوية الثقافية للمنطقة، وتمنح المكان بعده الإنساني إلى جانب قيمته الأثرية والطبيعية.
وتعرّض عددٌ من المواقع الأثرية في “اللجاة” خلال سنوات الثورة لأعمال قصف وتخريب من قوات النظام البائد والميليشيات المتحالفة معه، كان من بينها موقع قرية “الطف” الأثرية، الذي تعرّض للتفجير والتدمير، ما ألحق أضراراً ببعض المعالم التاريخية.
ختاماً، فإن “اللجاة” متحف طبيعي بصخورها وصبّاتها وسيولها البركانية، وآثارها التي هي ذاكرة تاريخ هذه المنطقة الحافل بالتنوّع والتعدّد والروعة والإتقان والإبداع.