لندن ـ «القدس العربي»: في مثل هذه الأيام في موسم 2015-2016، كان المدرب الإيطالي المخضرم كلاوديو رانييري، يتصدر عناوين الصحف والمواقع الرياضية في بريطانيا والعالم، ليس فقط بسبب تصريحاته الشهيرة التي كانت تشبه “التنويم المغناطيسي” لنظرائه في أندية القمة في الدوري الإنكليزي الممتاز، بل أيضا للعروض المبهرة التي كان يقدمها فريقه آنذاك ليستر سيتي على مستوى الدوري الأكثر شهرة وتنافسية عالميا، بقيادة أسماء من نوعية أسطورة الجزائر رياض محرز، وقلب فرنسا النابض وتشلسي نغولو كانتي، والهداف التاريخي لثعالب “كينغ باور” جيمي فاردي، وباقي الأسماء التي ستبقى عالقة في الأذهان لعقود قادمة، بعد الإنجاز التاريخي الذي تحقق في غفلة جماعية من قبل عتاولة البريميرليغ في تلك الفترة، حيث كان يتواجد جوزيه مورينيو على رأس الجهاز الفني لتشلسي في نهاية ولايته الثانية، والتشيلي مانويل بيلغريني مع مانشستر سيتي، وبرندان روجرز ثم يورغن كلوب في نفس الموسم مع ليفربول، فيما كان الأستاذ آرسين فينغر يقضي خريف رحلته مع مدفعجية آرسنال، والبوش ماوريسيو بوتشينيو مع توتنهام، والهولندي المخضرم لويس فان خال، لكن في الأخير، حدثت المعجزة الأولى والأخيرة حتى الآن منذ بداية الألفية الجديدة، بجلوس فريق الثعالب على عرش أندية الدوري الإنكليزي الممتاز، وذلك بعد أشهر طويلة، حاول خلالها الميستر رانييري، إقناع المدربين وعالم كرة القدم، أن فريقه “ليس منافسا على لقب البريميرليغ”، لدرجة أن بعض الصحافيين والإعلاميين كانوا يستقبلون المدرب الإيطالي بنفس مقولته المأثورة “ليستر ليس منافسا على لقب الدوري الإنكليزي الممتاز”، كنوع من أنواع الدعابة أو المزحة، إلى أن تحول الحلم إلى حقيقة على حساب أيقونة النحس في العصر الحديث توتنهام. والآن وبعد مرور أكثر من عقد على هذا الحادث التاريخي في بلاد الضباب، أعاد مدرب برايتون فابيان هورتزلر، إلى الأذهان تصريحات رانييري لحماية فريقه ولاعبيه من عيون الحسود والضغوط الإعلامية، قائلا في مقابلة مع شبكة “ذا أثلتيك”: “لا أنظر إلى جدول الترتيب في الوقت الحالي. النتائج، سواء كانت إيجابية أو سلبية، تؤدي دائما إلى إطلاق الأحكام، لكن الشيء الوحيد الذي يمكننا التحكم فيه وإدارته هو الأداء”، وهو الطرح الذي أثبت صحته ودقته على أرض الواقع، بعد نجاحه في قيادة الفريق لاكتساح العدو الشمالي كريستال بالاس بخماسية نكراء، معادلا النتيجة التي لم تشهدها مباريات الفريقين منذ 70 عاما، حين كانا يتنافسان في دوري الدرجة الثالثة بالنظام القديم، وقبل هذا الانتصار المعنوي بالنسبة للجماهير، كان الفريق قد تجاوز سندرلاند خارج القواعد بثنائية نظيفة، في أول اختبار بعد العرض السينمائي الذي تكلل بقهر حامل اللقب آرسنال بثلاثية نظيفة كانت قابلة للزيادة قبل مشاركة اللاعبين الدوليين مع منتخباتهم الوطنية في عطلة الفيفا الأخيرة، حيث كان الفريق اللندني يتقمص دور “البطل” الذي يتلذذ بقهر خصومه على المستوى المحلي والقاري، قبل أن يستيقظ على صفعة محلية على يد الحصان الأسود في موسم البريميرليغ الجديد، والسؤال الذي يراود الكثير من عشاق البريميرليغ هو كيف نجح المدرب الألماني – الأمريكي في تحويل برايتون من مشروع شبه مفكك في موسم هورتزلر بعد رحيل العراب الإيطالي دي زيربي؟ إلى ما نشاهده من سحر ومتعة كروية تضاهي المحتوى الإبداعي الذي يقدمه باريس سان جيرمان نسخة لويس إنريكي في دوري أبطال أوروبا وبرشلونة هانزي فليك في سهرات الليغا الممتعة، هذا ما سيستعرضه التقرير الآتي.
لا يخفى على جماهير فريق الساحل الجنوبي، أن الفريق كان يمر بلحظات فارقة مع بداية النصف الثاني من الموسم الماضي، وصلت لحد الاكتفاء بانتصار وحيد في 12 مباراة على التوالي، منها هزيمة قاسية على يد كريستال بالاس في فبراير/شباط الماضي بهدف نظيف، الأمر الذي تسبب في تقهقر برايتون إلى المركز الرابع عشر في جدول أندية البريميرليغ، لكن منذ تلك اللحظة، تمكن المدرب الثلاثيني من إعادة ترتيب الأوراق داخل غرفة خلع الملابس، واضعا ثقته في أصحاب الخبرة والدماء الجديدة التي جاءت لتعوض جواو بيدرو وباقي الأسماء التي جلبت تدفقات في الخزينة قُدرت بنحو 150 مليون يورو، في المقابل أنفق النادي 82 مليونا بنفس العملة لشراء الصفقات المستهدفة، ليستعيد الفريق جزءا من الصورة أو النسخة التي رسمها لنفسه قبل قدوم المدرب الحالي، كمنظومة تجمع بين الصلابة والنظام الدفاعي وبين التحولات السريعة التي تسر الناظرين، في ما تعرف بالثقافة أو النهج المتبع داخل مكاتب المسؤولين في ملعب “فالمر”، والتي ترتكز على أسس متينة وبيانات دقيقة تؤخذ في عين الاعتبار كل لاعب قبل التفكير في ضمه لقطاع الشباب أو الفريق الرديف، وهذا في حد ذاته يفسر عدم انتهاء ظاهرة برايتون، بعد تعلمه من التجربة القاسية الأخيرة، التي وصلت لحد تهديد وجوده كناد، بعد افتقاره لملعب خاص ومعاناته بعيدا عن البريميرليغ لعقد من الزمان، ليعود بالمفاهيم الجديدة التي قضت على الأسطورة القديمة، التي كانت تزعم أن الاستثمار في المواهب النادرة ومن يملكون مقومات النجومية الحقيقية، عادة ما يتسبب في انهيار الفرق، تماما كما حدث مع بلاكبيرن ونيوكاسل في منتصف التسعينات، وليستر بعد خروج محرز وكانتي والبقية باستثناء القناص فاردي، لكن مع برايتون يحدث العكس تماما، والدليل على ذلك أن ما نشاهده من توهج ومتعة بصرية لا تقدر بثمن، تأتي بعد السماح بانتقال كارلوس باليبا إلى مانشستر يونايتد مقابل رسوم تحويل بلغت 65 مليون جنيه إسترليني، ويان بول فان هيكه إلى توتنهام بأكثر من 50 مليونا من نفس العملة الإنكليزية، فضلا عن انتقال داني ويلبيك إلى تشلسي في نفس الميركاتو، وقبل هذا وذاك، باع النادي أسماء بحجم موزيس كايسيدو، وجواو بيدرو، وإليكس ماك أليستر، أو ما يعادل 365 مليونا أنعشت الخزينة في آخر 3 مواسم، مع ذلك لا يجد صعوبة في استيعاب هذه الخسائر على مستوى المواهب، بمن فيهم كوكوريا وبيسوما وتروسار وأسماء أخرى لو استمرت في المشروع لكان برايتون من أقوى المنافسين على اللقب في فترة ما بعد كورونا، ومع ذلك حافظ على مكانه ضمن العشرة الأوائل في أربع مرات في آخر خمسة مواسم، منها مرتان مع المدرب البالغ 33 عاما، كأفضل ترسيخ للنسخة التي يريدها المالك توني بلوم للمشروع، بجعل برايتون نموذجا للاستقرار والنجاح، أو ما قال عنها من قبل “الوصفة السحرية”، التي حولت النادي إلى مثال يُحتذى به في الاستثمار الذكي بدون الإخلال بالخطط طويلة الأجل للفريق داخل المستطيل الأخضر.
بعد الفوز الساحق على كريستال بالاس، قال هورتزلر للصحافيين: “خلال مسيرتي حتى الآن مع هذا النادي، عشت الكثير من اللحظات الإيجابية للغاية، لكن لا يزال هناك شيء واحد ينقصنا”، لكن من الواضح أن الفريق قد تخلص من هذا النقص، بعد ظهور بشائر عملية إعادة الهيكلة التي قام بها المدرب بعد رحيل ثلاثة من ركائزه الأساسية واعتزال جيمس ميلنر الموسم الماضي، وذلك بعد الاستعانة بكوكبة من أصحاب الخبرات والجائعين لمحاكاة النجوم السابقين، الذين انتقلوا إلى أندية القمة في إنكلترا وأوروبا عبر بوابة برايتون، ليجني ثمار الريمونتادا التي بدأها منذ فبراير/شباط الماضي، تحديدا منذ الليلة الظلماء التي كانت شاهدة على السقوط المحرج أمام كريستال بالاس في شهر عيد الحب الأخير، ليخرج هورتزلر وفريقه من هذا المأزق أقوى من أي وقت مضى، بجمع 35 نقطة في 19 مباراة، جاءت من 11 انتصارا وتعادلين وست هزائم، علما أن الفريق استهل الموسم الجاري بتحقيق الفوز في ثماني مرات في أول 12 مباراة في مختلف المسابقات، مع غزارة تهديفية أقل ما يُقال عنها مرعبة بلغت 34 هدفا، وهو رقم لا يتجاوزه في الدوريات الخمس الكبرى سوى برشلونة فليك، وهي أرقام ومؤشرات كفيلة بضمان التأهل إلى دوري أبطال أوروبا الموسم المقبل، بشرط أن يحافظ مشروع هورتزلر على بدايته الاستثنائية بجمع 16 نقطة في أول 7 جولات، منها 4 انتصارات على التوالي، كثاني مرة يفعلها الفريق تحت قيادة المدرب الحالي، حين استيقظ الفريق بعد سقوطه المروع أمام نوتنغهام فورست 0-7 في فبراير/شباط العام الماضي، فهل يا ترى سينجح المدرب المزدوج الجنسية في الحفاظ على شغف أصدقاء باسكال غروس بعد تجاوز صدمة البيع الأخيرة؟ وبالتبعية سيشكل تهديدا حقيقيا للمنافسين على لقب البريميرليغ أو في أضعف الإيمان دائرة المنافسة على المراكز المؤهلة لدوري الأبطال الموسم المقبل؟ أم ستكون مجرد صحوة أو انتفاضة قصيرة أو متوسطة الأجل؟ هذا ما سيجيب عنه هورتزلر ورجاله في المرحلة القادمة.