مصطفى حسين بطيخة
تحدثت في العديد من مقالاتي السابقة عن النظام الفرعوني المستبد، وآخرها ما تم نشره على جريدة عنب بلدي بعنوان “البصمة السوداء للنظام الفرعوني”، وأن هنالك ترابطًا وثيقًا بين الاستبداد والأيديولوجيين الأمميين الذين تناولتهم في مقالات عدة، وآخرها ما تم نشره على عنب بلدي بعنوان “الأيديولوجي الأممي واليوم الأخير” عن نماذج شهيرة من هؤلاء الأيديولوجيين الذين يأتون في لحظات تاريخية نتيجة مطالب شعبية محقة، ومن ثم يستبدون بالمجتمع ليلغوا التشاركية، ويعلنوا حكم العصبية الواحدة الأبدية بأفكارهم الأيديولوجية، وأن اليوم الأخير لهؤلاء الأيديولوجيين هو يوم كارثي على الأوطان.
إن الأساس الذي يقوم عليه النظام الأيديولوجي المستبد هو المقولة الشهيرة “اكذب اكذب حتى تصدق نفسك” المنسوبة لوزير الدعاية الألمانية النازية جوزيف غوبلز، وغوبلز هذا لم يكن رجلًا عاديًا، فهو حاصل على درجة الدكتوراة في الأدب الألماني من جامعة النخبة الألمانية (هايدلبرغ) العريقة، والتي تأسست في العام 1386 كثالث جامعة في العالم المسيحي .
لقد كان الدكتور غوبلز الأيديولوجي النازي يعلم جيدًا أن كثرة الكذب تحول الأوهام إلى حقائق من الناحية النفسية للكاذب والمتلقي معًا، فأمام الكم الهائل من الكذب يجد الصادق نفسه أمام فخ السؤال والحيرة: “هل يعقل أن كل هؤلاء على خطأ وأنا على صواب؟”، ويشعر أن صدقه يجعله غريبًا منبوذًا عن مجتمعه، فيكذب أو يجامل ولو على حياء ليثبت أنه ينتمي للمجتمع الكاذب فلا تنقطع مصالحه معه، و هو بذلك يفعل كما الملك ووزيره في مسرحية “نهر الجنون” للمبدع توفيق الحكيم، إذ إن شعب المملكة قد شرب من نهر ففقد عقله، لكن أفراده لم يدركوا أنهم أصبحوا مجانين، بينما بقي الملك ووزيره عاقلين يتساءلون عن كم الجنون الذي أصاب المملكة، وفي النهاية يصلان لقناعة بضرورة الشرب من نفس النهر ليصابا بالجنون، وحتى لا يصبحا غريبين عن شعب مملكتهما التي يحكمانها. ولو فكرنا عميقًا في هذه المسرحية فسنصل إلى حقيقة أن الشعب الكاذب لا يحكمه إلا حاكم ووزير كاذب، وأن الشعب الصادق لا يحكمه إلا حاكم ووزير صادق.
لقد واصل الدكتور غوبلز التمسك بخطاب الكذب الأيديولوجي النازي حتى آخر لحظة من حياته، فألمانيا عنده لم تهزم في موسكو وستالينغراد، وألمانيا عنده لم تهزم في إفريقيا، وألمانيا عنده لم تهزم بإنزال النورماندي، وعندما تدمرت ألمانيا برمتها واقتحمت القوات الروسية برلين، لم يعترف الدكتور غوبلز الغارق بالجنون والكذب الأيديولوجي بالهزيمة، بل جلب زوجته (ماغدا) المجنونة مثله وأعلمها بضرورة قتل أطفالهما الستة بكبسولات السيانيد. تخيلوا قباحة المشهد وجنونه في أن الكذب الأيديولوجي يجعل أمًا تقتل بنفسها طفلتها البالغة من العمر أربعة أعوام بالسم. لم يرد الدكتور غوبلز و زوجته أن تعلم طفلتهما أن ألمانيا التي لا تُهزم كانت كذبة من أكاذيبهما، وأن ألمانيا المدمرة كليًا والمغتَصَبة نساؤها هي مختلفة عن قصور الكاذب أبيها (الدكتور الأيديولوجي غوبلز).
لقد كان الدكتور غوبلز يعلم علم اليقين أن الأيديولوجية المستبدة هي عكس الفضيلة تمامًا، فقد كان يعلم أن صديقه الأيديولوجي النازي (هيرمان غورينغ) قائد سلاح الجو الألماني، قد اقتنى لنفسه مجموعة خاصة من أكثر من 1300 عمل فني مسروق ومنها حوالي 600 تحفة منهوبة من باريس وحدها. لقد كان غوبلز يعلم بأن صديقه الأيديولوجي النازي هاينريش هيملر، قائد قوات جهاز الأمن و الشرطة النازية، قد أشرف بنفسه وبعمل منظم وممنهج على مصادرة أملاك خاصة وأراضٍ شاسعة في جميع الدول التي دخلها النظام الأيديولوجي النازي، بعد أن تم قتل أو تهجير أصحابها. لقد كان يعلم أن صديقه الأيديولوجي النازي ألفريد روزنبرغ قد أنشأ جهازًا منظمًا رسميًا هو “مكتب روزنبرغ”، الذي مهمته تولي جمع ومصادرة الممتلكات الثقافية للضحايا. إن الفساد والسرقة هما شريعة تعاهد عليها ثالوث السلطة والدين والمال في النظام الأيديولوجي الفرعوني المستبد (راجع مقالي على زمان الوصل بعنوان: فزعات العصبيات الفرعونية).
لقد جاء عن السيد المسيح عليه السلام قوله: “وأما أنت فمتى صنعت صدقة، فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك”، أما في الدول الأيديولوجية المستبدة فإن أهم مايميزها قولان:
“اكذب اكذب حتى تصدق نفسك”.
“اسرق اسرق، فلا تعرف شمالك ما تسرق يمينك”.
ونختم بالدعاء: “ربنا نجنا وأوطاننا من الاستبداد وأيديولوجياته الكاذبة والسارقة معًا”.