Pipes.. حين يتحول انقطاع المياه إلى مرآة لعطش الإنسان ووحدة المكان
في قرية لبنانية أنهكها الجفاف، لا يبدو اختفاء أنبوب مياه مجرد عطل فني يمكن التعامل معه باستدعاء عامل صيانة، بل يتحول إلى أزمة تكشف هشاشة الحياة اليومية، وتضع العلاقات بين الناس تحت ضغط متزايد، بينما يواصل الحزن الشخصي طريقه بصمت خلف أبواب البيوت. من هذه الحكاية البسيطة ظاهرياً، ي...
يستغرق الفيلم 112 دقيقة، وتدور أحداثه حول حسن، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، الذي لم ينجح التقاعد في إبعاده عن مهنته أو إعفائه من مسؤولياتها. فما زال سكان القرية يلجأون إليه كلما تعطلت شبكة المياه، وكأن سنوات عمله الطويلة جعلت منه المرجع الذي لا يمكن الاستغناء عنه، حتى بعدما غادر وظيفته رسمياً. لكن الأزمة الجديدة تتجاوز الأعطال المعتادة؛ فالجفاف يلوح في الأفق، وإمدادات المياه تتعطل، واختفاء أحد الأنابيب يربك حياة السكان، ويشعل أسئلة لا يجد أحد إجابات واضحة عنها.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه مطالب الأهالي وتتسع دائرة الفوضى، يعيش حسن حزناً خاصاً على وفاة صديقه في ظروف غامضة، مرتبطة بتسرب غاز، لتتداخل أزمة القرية مع أزمته الداخلية. وبين محاولاته الاستجابة لاحتياجات الآخرين وحاجته إلى مساحة يواجه فيها خسارته، يصبح الرجل محاصراً بمسؤوليات لا تنتهي، في مجتمع اعتاد الاعتماد عليه أكثر مما اعتاد الإصغاء إليه.
لا يسعى كريم قاسم إلى بناء حكاية بوليسية تقليدية حول الأنبوب المفقود أو وفاة الصديق، بقدر ما يستخدم الغموض مدخلاً إلى عالم تتراكم فيه التفاصيل اليومية وتتشابك فيه الأزمات الصغيرة مع الأسئلة الإنسانية الأكبر. وهنا تكمن إحدى أبرز أفكار الفيلم: قد تكون المشكلة الظاهرة قابلة للحل من الناحية العملية، لكن ما يتراكم خلفها من إحباط وإهمال وفقدان لا يمكن إصلاحه بالسهولة نفسها.
وتنبع قوة Pipes من اختياره شخصية رجل مسن لا يملك ترف الانشغال بنفسه، لأن الجميع يحتاجون إليه، فيما لا يبدو أن أحداً ينتبه إلى احتياجاته الخاصة. حسن ليس بطلاً تقليدياً يسعى إلى تغيير العالم، بل إنسان يحاول مواصلة حياته وسط أعطال متلاحقة، من شبكة المياه إلى علاقاته الشخصية، وصولاً إلى شعوره المتنامي بالوحدة. ومن خلاله، يرسم قاسم صورة لمجتمع تتشابك فيه المصالح والروابط الإنسانية، لكنه يعجز أحياناً عن توفير أبسط مقومات العيش الكريم.
وتكتسب أزمة المياه دلالة تتجاوز نقص مورد أساسي، إذ تتحول الأنابيب إلى خيط يصل بين شخصيات الفيلم وبيوته وشوارعه، ويكشف في الوقت نفسه عن شبكة من الاعتماد المتبادل بين السكان. فالأنبوب الذي يبحث عنه الجميع ليس مجرد قطعة مفقودة، بل نقطة انطلاق لفهم طبيعة مجتمع يعيش على حافة الأزمات، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى مصدر للقلق، وتصبح أبسط الاحتياجات اختباراً لقدرة الناس على التماسك.
ويضيف الفيلم إلى هذه الحكاية بُعداً إنسانياً أكثر إيلاماً من خلال شخصية رضا، العامل البنغلادشي الذي عاش سنوات بين سكان القرية، قبل أن تنتهي حياته في ظروف تثير الشكوك. فالغموض المحيط بوفاته يفتح باباً على قضية أوسع تتعلق بمكانة العمال المهاجرين في المجتمعات التي يسهمون في بنائها وخدمتها، ومدى الاعتراف بإنسانيتهم حين يصبحون ضحايا أو يغيبون عن المشهد. وفي هذا المسار، يقترب الفيلم من موضوعات التهميش واللامبالاة الاجتماعية، من دون أن يتخلى عن حسه الساخر أو عن مراقبته الهادئة لتفاصيل الحياة اليومية.
لكن الرهان على السرد المتأني يحمل في الوقت نفسه أحد أبرز تحديات الفيلم. فإيقاع Pipes البطيء يمنح المشاهد فرصة للتأمل في الوجوه والأماكن والصمت، ويعزز الإحساس بالرتابة التي يعيشها حسن، غير أن هذا الخيار لا ينجح دائماً في تحويل البطء إلى توتر درامي. ففي بعض المقاطع، تبدو الأحداث وكأنها تدور في مكانها، فيما تتراكم الإشارات والرموز من دون أن تتبلور جميعها في مسار واضح ومتماسك.
كما أن السيناريو، الذي كتبه كريم قاسم بالاشتراك مع نادية حسن، يغامر بترك مساحات واسعة للتأويل، وهي مساحة قد تمنح العمل خصوصيته، لكنها قد تربك المشاهد أيضاً. فالتنقل بين أزمة المياه، والحزن على الصديق الراحل، والبحث عن حقيقة ما جرى، والتعليق الاجتماعي على واقع القرية، لا ينتج دائماً توازناً درامياً مقنعاً. وفي الوقت الذي تحمل فيه هذه الخيوط إمكانات ثرية، يظل بعضها أقل تطوراً مما يحتاج إليه الفيلم كي تتحول دلالاته إلى تجربة مؤثرة على امتداد زمنه.
ولا تخلو الكوميديا السوداء التي يعتمدها قاسم من مفارقات لافتة؛ إذ تنبع بعض اللحظات الساخرة من تعامل الشخصيات مع مواقف عبثية، وكأنها أمور عادية لا تستدعي الدهشة. غير أن هذا الحس الكوميدي يظل خافتاً إلى درجة قد تجعل أثره متفاوتاً من مشاهد إلى آخر، خصوصاً حين تتقدم الرغبة في إبقاء الأحداث مفتوحة على حساب وضوحها الدرامي.
في المقابل، يحقق الأداء التمثيلي حضوراً يستحق التوقف عنده، وفي مقدمته غسان سعد في دور حسن. فالممثل اللبناني، الذي نال جائزة أفضل ممثل في مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي عام 2026 عن هذا الدور، يقدم شخصية تعتمد على الحضور الطبيعي والتعبير المحدود أكثر من اعتمادها على الانفعالات الكبيرة. وتكمن قيمة أدائه في قدرته على إظهار التعب المتراكم خلف ملامح الرجل، وفي التفاصيل الصغيرة التي تكشف عن وحدته وإحباطه، من دون الحاجة إلى الإفصاح المباشر عن مشاعره.
أما نهاد أبو حمدان، الذي يؤدي شخصية جهاد، فيشارك في بناء العالم المحيط بحسن، ويمنح خط البحث عن حقيقة وفاة الصديق بعداً إضافياً، بينما تسهم الشخصيات الثانوية في تكوين صورة القرية بوصفها مجتمعاً حياً، لا مجرد خلفية للأحداث. ويستفيد قاسم من مشاركة ممثلين غير محترفين في بعض الأدوار، الأمر الذي يعزز الإحساس بواقعية المكان ويمنح التفاعلات اليومية عفوية يصعب أحياناً تحقيقها عبر أداء مصقول أكثر من اللازم.
وعلى المستوى البصري، يستثمر قاسم عمله مديراً للتصوير في تقديم القرية من خلال تفاصيلها المألوفة وشوارعها ومنازلها، بعيداً عن المبالغة في تجميل المكان أو تحويله إلى صورة سياحية. فالمشهد لا يسعى إلى إبهار العين بقدر ما يحاول نقل الإحساس بثقل الحياة في بيئة تعاني نقص الموارد وتراكم المشكلات. وتنسجم هذه المقاربة مع طبيعة الفيلم، الذي يفضل مراقبة الأشخاص في محيطهم الطبيعي، تاركاً للمكان دوراً أساسياً في تشكيل المزاج العام للحكاية.
ويأتي Pipes امتداداً لمسار سينمائي يواصل فيه كريم قاسم اختبار أشكال سردية مختلفة، بعد أفلام "فقط الرياح والأخطبوط وثالث وموندوف، لكنه يقدم هنا حكاية روائية تتخذ من شخصية حسن محوراً لاستكشاف العلاقة بين الفرد ومجتمعه، وبين الحاجة إلى الآخرين والشعور بالوحدة وسطهم. وقد سبق أن ظهرت الشخصية في "موندوف" قبل أن يمنحها المخرج مساحة أوسع في العمل الجديد، مستنداً إلى حضور غسان سعد الذي يشكل أحد أبرز عناصر الفيلم.
في المحصلة، لا يقدم Pipes حكاية مكتملة الإيقاع أو سهلة الالتقاط في جميع تفاصيلها، لكنه يطرح أسئلة تستحق النقاش حول العزلة والوفاء والتهميش، وحول مجتمع باتت أزماته اليومية جزءاً من حياته المعتادة. وبين قوة الأداء وصدق المكان وجرأة الابتعاد عن البناء التقليدي، من جهة، وتشتت بعض الخيوط وبطء السرد وعدم وضوح الدلالات في مواضع أخرى، من جهة ثانية، يظل الفيلم تجربة ذات طموح إنساني واضح، لا تبلغ كل ما تعد به أفكارها، لكنها تترك وراءها صورة رجل يواصل إصلاح أنابيب الآخرين، بينما تتراكم في حياته شقوق لا يعرف كيف يسدها.
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.