تخطّي إلى المحتوى
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026
عاجل
الفوائد الصحية المحتملة للإقلاع عن استهلاك الكافيين أربعة أعمال درامية صينية متميزة تُطل قريبًا على جمهور الشرق الأوسط تعديلات جديدة في نظام مكافحة المنشطات للاعبي التنس بدءاً من 2027 تنس: تشديد إجراءات مكافحة المنشطات وإلغاء استثناءات الإبلاغ عن الموقع بدءاً من 2027 ياسمين صبري وعمرو سعد ومحمد سامي في مسلسل "تمكين" لدراما رمضان 2027 هايدي موسى تطلق أغنية "أول مكان" بروحانية رومانسية درامية الضمان الصحي للمقيمين محور اجتماع المجلس الأعلى للصحة وشركات التأمين شحنات شاشات الهواتف القابلة للطي ترتفع 44% في 2026 مع تفوق التصميم العريض الهجوم على رضا جفّال يكشف خطاب كراهية طائفياً في لبنان حامد ضيف يتوج بكأس المركز الأول في التصنيف الرابع للسنوكر الفوائد الصحية المحتملة للإقلاع عن استهلاك الكافيين أربعة أعمال درامية صينية متميزة تُطل قريبًا على جمهور الشرق الأوسط تعديلات جديدة في نظام مكافحة المنشطات للاعبي التنس بدءاً من 2027 تنس: تشديد إجراءات مكافحة المنشطات وإلغاء استثناءات الإبلاغ عن الموقع بدءاً من 2027 ياسمين صبري وعمرو سعد ومحمد سامي في مسلسل "تمكين" لدراما رمضان 2027 هايدي موسى تطلق أغنية "أول مكان" بروحانية رومانسية درامية الضمان الصحي للمقيمين محور اجتماع المجلس الأعلى للصحة وشركات التأمين شحنات شاشات الهواتف القابلة للطي ترتفع 44% في 2026 مع تفوق التصميم العريض الهجوم على رضا جفّال يكشف خطاب كراهية طائفياً في لبنان حامد ضيف يتوج بكأس المركز الأول في التصنيف الرابع للسنوكر

يَزْجَن.. حين بنت الصحراءُ الجزائرية حصنًا للحياة

        ◄ من بوابةٍ في وادي ميزاب إلى درسٍ في العلم والإنسان والمُستقبل       زاهر بن سيف بن سلطان المسكري   ليست كلُّ المدن حجارةً تُرصُّ فوق حجارة كقلعة نزوى، ولا كلُّ

21 أكتوبر 2026 12 د للقراءة 2
يَزْجَن.. حين بنت الصحراءُ الجزائرية حصنًا للحياة

◄ من بوابةٍ في وادي ميزاب إلى درسٍ في العلم والإنسان والمُستقبل

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

ليست كلُّ المدن حجارةً تُرصُّ فوق حجارة كقلعة نزوى، ولا كلُّ الحصون جدرانًا تُقام في وجه العدو كحصون عُمان المتعددة كحصن خصب في مسندم وحصن جبرين في بهلا وحصن الأسود في عبري أو حصن الشّباك في إبرا الذي قاد حملات كثيرة ضد البرتغاليين. ثمة أماكن إذا دخلتها رأيت بيوتًا وأزقّةً وأبوابًا، وإذا أمعنت النظر اكتشفت أنَّ وراء الحجر عقلًا خطّط، ويدًا صنعت، ومجتمعًا تعلّم كيف يحمي الحياة في مكانٍ لا يمنح الحياة بسهولة.

ومن هذه الأماكن في بلاد المغرب العربي قصر بني يزقن، أو يزجن، في وادي ميزاب بالجزائر؛ حيث لا تبدو العمارة مجرّد فنٍّ للبناء، بل لغةً صامتةً تحكي كيف استطاع الإنسان أن يجعل من شحّ الماء، وقسوة المناخ، ومخاطر الزمن، دوافعَ للتفكير والتنظيم والتعاون.

في زيارتي يوم الثلاثاء، الثالث عشر من أكتوبر 2026، دخلت من البوابة الشرقية. لم أكن أعبر مدخلًا إلى بلدة قديمة فحسب؛ كنت أشعر أنني أعبر من ضجيج الحاضر إلى زمنٍ ترك أسئلته محفورةً في المكان وكأنها بهلا الرستاق والحمراء وولايات عُمان الداخل تزاحم مساري وأنا أقارن أساليب العيش والبناء.

كان الطريق يصعد بي عبر أزقّة ضيّقة مرصوفة بالحصى تتناسب مع الخيول والبغال، تتعاقب فيها الممرات والبوابات، وتنكشف فيها أجزاء من البناء ثم تحتجب. هنا لا يرى الغريب كلَّ شيء دفعةً واحدة؛ فالمكان يدعوه إلى التمهّل، ويكافئ من يمشي بعينٍ متفحّصة لا بعينٍ عابرة.

وبين منعطفٍ وآخر، أخذ سؤالٌ يتكوّن في ذهني: هل بُني هذا القصر لكي يسكنه النَّاس فقط، أم بُني لكي ينظّم حياتهم أيضًا؟

تُدرج منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» وادي ميزاب ضمن قائمة التراث العالمي منذ عام 1982. ويضم الوادي خمسة قصور تاريخية رئيسة، تطوّرت بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر، من بينها بني يزقن. وتلفت اليونسكو إلى تميّز هذا النسيج العمراني في تكيّفه مع البيئة شبه الصحراوية، وفي تنظيمه الدفاعي والاجتماعي والمعماري.

اليونسكو: وادي مزاب على قائمة التراث العالمي⁠ (موقع إلكتروني)

أما المعلومات المنشورة لدى ديوان حماية وادي مزاب وترقيته، فتذكر أنَّ تأسيس قصر بني يزقن يعود إلى عام 1350م، وتصف أسواره وأبراجه وممراته وبواباته، كما تشير إلى وجود آبار موزّعة في أحيائه.

ديوان حماية وادي مزاب وترقيته: قصر بني يزقن⁠ (موقع إلكتروني)

لكن التاريخ لا يُصبح حيًّا بمجرد قراءة تاريخه؛ إنه يستيقظ حين نرى كيف تحوّلت الحاجة إلى هندسة، والخوف إلى تدبير، وشحّ الموارد إلى معرفة متوارثة.

لقد بدت لي البوابات والأزقّة والتحصينات أجزاءً من نظامٍ يتجاوز حماية الجدران. فالحصن لا يؤدي وظيفته بالحجر وحده؛ يحتاج إلى مداخل محسوبة، ومسارات يعرفها أهله، وتنظيمٍ يحدّ من الفوضى، ومجتمعٍ يدرك أنَّ أمن الفرد لا ينفصل عن أمن الجماعة.

ولا يعني هذا أن كل تفصيل في القصر كان يحمل غرضًا واحدًا أو أن جميع وظائفه يمكن الجزم بها من المشاهدة وحدها. لكنه يفتح بابًا مشروعًا للبحث: كيف تتعاون العمارة والتنظيم الاجتماعي والبيئة في صناعة مكانٍ قادرٍ على الاستمرار؟

ثلاثة عشر بئرًا… وسؤالٌ أكبر من الماء

كان للماء حضوره الخاص في رحلتي.

في موضعٍ صحراويٍّ كهذا، لا يعود الماء عنصرًا عابرًا في حياة الناس؛ يصبح أساسًا للاستقرار، ومقياسًا لحسن التدبير، وسببًا لتطوير المعرفة. فالمطر قليل، ومجاري الأودية قد تبقى جافة فترات طويلة، ثم تحمل السيول حين تهطل الأمطار الغزيرة.

وقد أحصيتُ بنفسي ثلاثة عشر بئرًا داخل نطاق القصر المحصّن، موزّعةً في مواضع مختلفة، ولاحظتُ مزيدًا من الآبار باتجاه الوادي. وهذا وصفٌ لمشاهدتي الميدانية، لا رقمٌ نهائيٌّ صادر عن إحصاء رسمي؛ فخريطة القصر التي وثّقتها تشير إلى آبار تقليدية، لكن عددها يحتاج إلى مسحٍ موثّق قبل اعتماد رقمٍ شامل.

هنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُروى للعالم.

فالبئر ليس حفرةً في الأرض فحسب؛ إنه معرفةٌ بموضع الماء، وجهدٌ لحمايته، وتنظيمٌ للانتفاع به، ومسؤوليةٌ تجاه من سيأتي بعدنا. وإذا تعدّدت الآبار وتوزّعت، فإنَّ السؤال لا يقتصر على عددها، بل يمتد إلى مواقعها، وطرق صيانتها، وعلاقتها بتوزيع السكان، وكيفية ضمان الانتفاع بها.

وتقدّم البحوث العلمية عن وادي مزاب صورةً أوسع من حدود القصر. فقد درس الباحثان معارف إدارة المياه التقليدية في واحة بني يزقن، وبيّنا كيف طوّر السكان وسائل لالتقاط مياه السيول وتوجيهها، والاستفادة منها في الريّ وتغذية المياه الجوفية، عبر منشآتٍ وقنواتٍ وحواجز وآبار مخصّصة لأغراض مختلفة.

بحث في نظام الري التقليدي في وادي مزاب: دراسة حالة بني يزقن، 2022⁠ (موقع إلكتروني)

وتتناول دراسة علمية أحدث آليات التغذية المُدارة للمياه الجوفية في الواحة، وتعرض شبكةً مائيةً تطوّرت عبر أجيال. وتشير إلى عشرات آبار التغذية، وإلى مئات الآبار التقليدية في الواحة الأوسع؛ وهذه أعداد تخصّ منظومة الواحة، ولا ينبغي الخلط بينها وبين الآبار الثلاثة عشر التي أحصيتها داخل القصر.

دراسة علمية عن تغذية المياه الجوفية ومعارف إدارة المياه في بني يزقن⁠ (موقع إلكتروني)

ولعلّ أجمل ما في هذه المعرفة أنها لا تسأل فقط: كيف نأخذ الماء من الطبيعة؟ بل تسأل أيضًا: كيف نعيد الماء إلى باطن الأرض؟ وكيف نبطئ جريانه؟ وكيف نوزّعه بحيث لا يتحوّل نفعُه إلى امتيازٍ لفردٍ وحرمانٍ لآخر؟

إنها نقلةٌ من استهلاك المورد إلى إدارة دورة الماء، ومن النظر إلى المطر باعتباره حادثةً عابرة إلى التعامل معه باعتباره فرصةً ينبغي الاستعداد لها.

ذلك هو الفرق بين من ينتظر الماء، ومن يبني معرفةً لاستقباله.

المسجد في الأعلى… والمدينة في ميزانها

واصلتُ الصعود حتى بلغنا المسجد القائم في موضع مرتفع من القصر. بدا لي كأن البيوت تنتهي إليه، أو كأنها تنتظم في حضرته؛ وقد خالط لونه الفاتح المائل إلى الزرقة صورة المكان في ذاكرتي.

هناك صلّيت الظهر والعصر، وأصغيت إلى سكون الجدران.

وضعت أذني على أحدها، لا لأن الحجر ينطق حرفيًّا، بل لأن للإنسان لحظاتٍ يحاول فيها أن يسمع التاريخ بما يتجاوز الكلمات. تخيّلت الأيدي التي بنت، والأقدام التي عبرت، والآباء الذين ربّوا أبناءهم، والناس الذين عرفوا أن الحياة لا تستقيم بالمأوى وحده.

وفي وصف اليونسكو للقصور المزابية، يحتل المسجد موقعًا بارزًا في النسيج العمراني، وتظهر العلاقة بينه وبين توزيع المساكن جزءًا من الخصائص التي تستحق الدراسة. غير أن قيمة هذا المشهد لا تكمن في ارتفاع البناء وحده، بل في السؤال الذي يثيره: ما المكانة التي أراد المجتمع أن يمنحها للعبادة في حياته اليومية؟

لا يجوز أن نختزل مجتمعًا كاملًا في صورةٍ واحدة، ولا أن نستنتج من شكل المباني جميع تفاصيل معتقداته أو نظامه الاجتماعي. لكننا نستطيع أن نقرأ في حضور المسجد علامةً معماريةً ذات دلالة، ثم ندرسها في ضوء المصادر التاريخية والاجتماعية.

لقد جعلتني تلك الوقفة أفكّر في معنى التوازن: أن يحتاج الإنسان إلى بيتٍ يحمي أسرته، وسوقٍ يبادل فيه منتجاته، وماءٍ يضمن استمراره، ومكانٍ للعبادة يمنح حياته وجهتها الروحية. ليست هذه الوظائف متنافسةً بالضرورة؛ إنما تتكامل حين يحسن المجتمع تنظيمها.

الأزقّة التي تعلّمنا التواضع

في المدن الحديثة، كثيرًا ما نقيس النجاح بعرض الشوارع، وارتفاع الأبراج، وسرعة الوصول. أما في يزجن، فإن ضيق بعض الممرات يدعونا إلى مقاييس أخرى: كيف تتحرّك الحياة داخل المكان؟ وكيف تُحمى الخصوصية؟ وكيف يلتقي العام والخاص؟ وكيف يتعامل البناء مع المناخ والتضاريس؟

لا يعني ذلك أن الضيق فضيلةٌ في ذاته، أو أن المدينة القديمة تصلح نموذجًا حرفيًّا لكل مدينة معاصرة. فالحاجات تغيّرت، والكثافة السكانية ووسائل النقل ومتطلبات الصحة والسلامة ليست كما كانت. لكن التراث يمنحنا فرصةً ثمينةً لنسأل قبل أن نهدم أو نبني: ما الحكمة التي يمكن أن نتعلّمها؟ وما الذي ينبغي تطويره؟ وما الذي لا يجوز أن نفقده؟

فالعمارة الذكية ليست نسخةً من الماضي، كما أن الحداثة ليست إعلانًا للحرب عليه.

إنها القدرة على التمييز بين الشكل الذي ينتمي إلى زمنه، والمبدأ الذي يستطيع أن يعبر الأزمنة.

قد يتغيّر شكل الممر، لكن تبقى الحاجة إلى الظل. وقد تتطوّر وسائل تخزين المياه، لكن تبقى ضرورة صونها. وقد تتبدّل أنماط السكن، لكن تظل الخصوصية والأمان والكرامة حاجاتٍ إنسانيةً أصيلة.

حين تتحوّل البيئة إلى معلّم

الصحراء ليست فراغًا؛ إنها بيئةٌ تضع الإنسان أمام امتحانٍ دقيق.

قلة المطر، وشدة التبخر، وتفاوت جريان الأودية، وحساسية الموارد، كلها ظروف تفرض على السكان أن يراقبوا ويجرّبوا ويصحّحوا. ومن هنا تكتسب المعارف المتوارثة قيمتها حين تُفهم لا بوصفها حكاياتٍ جميلة فحسب، بل خبرةً تراكمت من التعامل مع الطبيعة.

وتؤكد مواد اليونسكو المتعلقة بالمعارف البيئية التقليدية في وادي مزاب أن منظومة الماء لا تقوم على المنشآت المادية وحدها؛ بل تشمل أيضًا التنظيم المجتمعي والمعرفة المحلية والصيانة المستمرة. كما تحذّر من أن إهمال بعض الممارسات التقليدية، إلى جانب البناء غير الملائم وضعف الصيانة، قد يزيد من مخاطر الفيضانات.

اليونسكو: المعرفة البيئية التقليدية في وادي مزاب⁠ (موقع إلكتروني)

وهنا يبرز درسٌ معاصر: ليس كافيًا أن نرث قناةً أو بئرًا أو حاجزًا مائيًّا؛ علينا أن نرث المعرفة التي تشرح وظيفته، والمسؤولية التي تضمن صيانته، والقدرة على تطويره حين تتغير الظروف.

فإذا حفظنا الحجر وأضعنا المعرفة، بقي لنا أثرٌ صامت. وإذا حفظنا المعرفة وجددناها بالعلم، أمكن للتراث أن يواصل خدمة الحياة.

من يزجن إلى قرطبة… تشابهٌ في السؤال لا حكمٌ في النسب

قد يستحضر الزائر، وهو يتأمل هذا التداخل بين التحصين والماء والعبادة والسكن، مدنًا تاريخيةً أخرى، كقرطبة وغرناطة، أو مجمّعاتٍ معماريةً مثل قصر الحمراء.

والمقارنة هنا مفيدةٌ إذا أحسنّا استخدامها.

لا أقول إن بني يزقن نسخةٌ من مدينة أندلسية، ولا إن تشابه بعض الوظائف يثبت انتقالًا مباشرًا للتصميم من مكانٍ إلى آخر. فإثبات التأثير التاريخي يحتاج إلى وثائق ومسارات اتصال وشواهد معمارية محددة.

لكن يمكننا أن نقارن بين التجارب في سؤالٍ أوسع: كيف تعاملت المجتمعات المختلفة مع الأمن والماء والخصوصية والعبادة والاقتصاد؟ وكيف جعلت العمارة هذه الحاجات أجزاءً من نسيجٍ واحد؟

قد تختلف المواد والأشكال والتواريخ، فيما تتشابه بعض التحديات الإنسانية. ومن هنا يُصبح التراث العالمي مساحةً للحوار بين الحضارات، لا ميدانًا للتنافس على من يقلّد من.

إن القيمة الحقيقية للمقارنة ليست أن نبحث عن نسخةٍ مطابقة، بل أن نفهم كيف ابتكرت الشعوب حلولًا مختلفة لمشكلاتٍ متقاربة.

ماذا يمكن أن يتعلّم العالم اليوم؟

لو نظر مهندسٌ إلى يزجن، فقد يسأل عن علاقة المباني بالمناخ والتضاريس. ولو درسها عالم مياه، بحث في إدارة السيول وتغذية المياه الجوفية. ولو دخلها مؤرخ، فتّش في تطوّر المجتمع والسلطة والتجارة. ولو تأملها باحثٌ في الاجتماع، درس أثر التنظيم والعادات في تشكيل الفضاء. أما المربّي، فقد يسأل: كيف انتقلت الخبرة من جيلٍ إلى جيل؟

ولا يغني مجالٌ عن الآخر؛ لأن المدينة نفسها ليست مسألةً هندسيةً خالصة، ولا تاريخًا منفصلًا عن البيئة، ولا مجتمعًا يمكن فهمه بعيدًا عن موارده.

من هنا يمكن أن نضع أمام الجامعات ومراكز البحث مشروعًا عمليًّا: توثيق الآبار القديمة وقياس حالتها، ورسم مسارات المياه، ودراسة علاقة الممرات بالمناخ، وتسجيل الروايات الشفوية مع التحقق من مصادرها، وفحص مواد البناء، وتحليل أنماط الصيانة، ثم مقارنة النتائج بالمعارف الحديثة في الاستدامة وإدارة المخاطر.

ولكي يكون هذا العمل أمينًا، ينبغي أن يشارك فيه أهل المكان أنفسهم؛ فهم ليسوا موضوعًا للدراسة فحسب، بل حملة معرفةٍ وتجربةٍ وذاكرة. وينبغي كذلك ألا يتحوّل التراث إلى واجهةٍ سياحيةٍ جميلة تُرهق سكانها أو تُفرغ حياتهم من معناها.

فالمدينة التاريخية ليست متحفًا بلا بشر؛ إنها حياةٌ مُستمرة، وأهلها شركاء في تقرير مستقبلها.

حين غادرتُ القصر وهنا أقول للقارئ إن مصطلح القصر يعني كل المنطقة السكنية ومحيطها الدفاعي وقمة جبلها والجامع وبقية المكونات الحضرية، لم يكن السؤال الذي حملته معي: كم عمر هذا الجدار؟ أو كم بابًا في السور؟ أو كم بئرًا أحصينا؟

كانت تلك أسئلةً مهمة، لكنها تقود إلى سؤالٍ أعمق:

ما الذي يجعل الإنسان قادرًا على بناء نظامٍ للحياة في بيئةٍ شحيحة الموارد؟

لا تكفي الإرادة وحدها، ولا تكفي العبقرية الفردية، ولا يكفي الإيمان إذا انفصل عن العمل والأخذ بالأسباب. إن البناء المستمر يحتاج إلى معرفةٍ تتراكم، ومؤسساتٍ تنظم، وموارد تُصان، وعدالةٍ في الانتفاع، وأجيالٍ تتعلم من أخطاء من سبقها.

وهنا يلتقي العلم بالأخلاق.

فالعلم يعلّمنا كيف نفهم الماء، لكن العدل يسأل: كيف نوزّعه؟ والهندسة تساعدنا على إقامة البناء، لكن المسؤولية تسأل: هل هو آمن؟ والتاريخ يخبرنا بما فعله السابقون، لكن الحكمة تسأل: ماذا نأخذ من تجربتهم، وماذا نتجاوز؟

وفي هذا المعنى، يصبح التراث أكثر من ذكرى؛ يصبح أمانةً معرفيةً تجاه المستقبل.

لقد رأيت في يزجن أطفالًا يملؤون المكان بالحياة، ونساءً ورجالًا يمضون في شؤونهم، ومدينةً قديمةً لا تزال تحمل أثر الحياة اليومية. ولم تكن قيمة المشهد في أن الماضي عاد كما كان، بل في أن المكان ما زال قادرًا على أن يذكّرنا بأن الحضارة لا تُقاس بما نملك من أدوات فحسب، بل بما نعرف كيف نصنعه بها، وبما نتركه للذين يأتون بعدنا. تضمن صيانته، والقدرة على تطويره حين تتغير الظروف.

خاتمة: حين يصبح التراث مستقبلًا

يا يزجن، لستِ حكايةً عن زمنٍ انقضى، ولا صورةً جميلةً تُعلّق على جدار السياحة. أنتِ سؤالٌ مفتوح أمام الإنسان المعاصر: كيف نبني دون أن نهدر؟ وكيف نتقدم دون أن نمحو الذاكرة؟ وكيف نجعل العلم نافعًا، والمعرفة متاحة، والموارد مصونة، والإنسان غاية البناء؟

في أزقّتك تعلّمتُ أن الطريق قد يكون ضيقًا، لكن الرؤية لا ينبغي أن تضيق. وعند آبارك تذكّرتُ أن قطرة الماء قد تستدعي وراءها علمًا كاملًا من الأرض والمناخ والهندسة والتدبير. وفي المسجد المرتفع شعرتُ أن للإنسان حاجاتٍ ماديةً وروحيةً، وأن العمران يبلغ أسمى معانيه حين لا ينسى أيًّا منهما.

أما الجدار الذي وضعتُ أذني عليه، فلم أسمع منه صوتًا تاريخيًّا بالمعنى الحرفي؛ لكنني سمعت، في صمت المكان، سؤال الأجيال الذي لا يشيخ: ماذا ستبنون أنتم؟

ولعلّ أصدق جوابٍ أن نبني بعلمٍ لا يتكبّر، وإيمانٍ لا يعطّل العقل، وذاكرةٍ لا تعادي المستقبل، وعملٍ يضع كرامة الإنسان في قلبه.

فالفضل لله أولًا وآخرًا، وما العلم إلا سعيٌ بشريٌّ إلى الفهم، وما العمران إلا ثمرةٌ من ثمار العمل والتعاون وحسن التدبير.

إن أعظم ما نحفظه من يزجن ليس حجارتها وحدها، بل القدرة الإنسانية التي جعلت الحجر والماء والطريق والبيت والمسجد أجزاءً من حكايةٍ واحدة: حكاية الإنسان حين يتعلّم كيف يصون الحياة.

وهكذا، لا تنتهي الرحلة عند بوابة القصر؛ هناك تبدأ رحلتنا نحن، من التراث إلى العلم، ومن العلم إلى العمل، ومن العمل إلى مستقبلٍ أكرم للإنسان.

الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام

انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.

انضم الآن
التغطية الأصلية الكاملة لدى alroya.om - rss زيارة المصدر