"أنا مهندس لبناني أمضيت ما يقارب ثلاثة عقود أعمل في إنشاء وإدارة شركات في مجال خدمات قطاع الطاقة في نيجيريا… حملت لبنان معي في غربتي، وبقي تعلقي به، وإيماني بمستقبله دافعاً إلى الاستثمار فيه. والعقارات موضوع هذه الحملة اشتريت معظمها منذ سنوات طويلة بين عامي 2008 و2014، بأموالي الخاصة ولغايات تجارية صرفة"، قال جفّال ابن بلدة البازورية الجنوبية (الشيعية حسب المنطق اللبناني)، في بيان رسمي بعد الحملات عليه لشرائه عقارات في منطقة مصنّفة في العرف اللبناني "مسيحية". والعقارات في لبنان تدين بدين أصحابها.
وأضاف: "آمنت بلبنان واحد. واعتقدت بصفتي مواطناً لبنانياً، أنّ من الطبيعي أن أشتري أرضاً أو أستثمر أموالي في أي منطقة من وطني. لم يخطر لي أن علي أن أبرّر انتمائي إلى منطقة لبنانية، أو أن أدافع عن نواياي الصادقة".
وعليه، يعرف جفّال "خطيئته". ربما أنسته سنوات الغربة "الفرادة اللبنانية" و"التميّز اللبناني". نسي أنّ المتن ليس له، ولا يحق له العيش فيه أو الاستثمار… وربما حتى الزيارة!
وأما وقد عرفها بعد الحملات التي شُنّت عليه، فقد أبدى حسن نية وأعلن استعداده لبيع كل استثماراته في المنطقة التي ليست لطائفته، ما ينفي عنه كل تهمة وُجّهت إليه بالتعدّي على جغرافيا الطوائف الأخرى.
والمفارقة أنّ المصادر المنشورة تكشف نشاطاً تجارياً حقيقياً وواسعاً لجفّال في نيجيريا، ومؤشرات ملموسة على نجاحه، لكن سنوات الكّد والعمل تُمحى أمام كلمة واحدة: أنت شيعي.
نطلب من المغتربين العودة والاستثمار، ثم ننصب لبعضهم حواجز مذهبيةً عند أبواب القرى. نحتفي بتحويلاتهم المالية، ونستولي على أموالهم في المصارف، ونرتاب بسندات ملكيتهم. والأخطر أنّ الدعوات إلى حصر التملّك بأبناء "طائفة المنطقة" تؤسس لوطن تتقاسمه الجماعات. ففي منطقة الحدث عند أطراف بيروت، أثار منع بيع عقارات المسيحيين أو تأجيرها للمسلمين جدلاً عام 2019، وقال رئيس البلدية إنّ القرار يحظى بتأييد قيادات مسيحية وشيعية. وفي 2025، عاد وأكّد مجدداً وجوب مراجعته قبل البيع أو التأجير.
لا يحتاج هذا الفصل إلى جدران وأسلاك شائكة؛ يكفي أن يخشى إنسان شراء بيت، أو يُدفع إلى بيع أرضه، لأنه وُلد على غير مذهب الجيران.
هذا سلوك رجعيّ يعيدنا إلى الوراء. ففيما فكّكت الولايات المتحدّة، التي نتغنّى بها وبتجربتها، نظام الفصل العنصريّ قانونياً منذ عقود، نستعيد منطقه بثياب طائفية: متساوون، شرط أن تبقوا منفصلين. هناك كان لون البشرة يرسم الحدود؛ وهنا يُراد للمذهب أن يرسمها. قضى حكم "براون" عام 1954 بعدم دستورية الفصل في المدارس العامة، وحظر قانون الحقوق المدنية لعام 1964 التمييز في مجالات أساسية، ثم حظر قانون الإسكان العادل لعام 1968 التمييز في بيع المساكن وتأجيرها بسبب العرق أو الدين. لم تختفِ العنصرية، لكن قوانين الفصل سقطت.
أما في لبنان، فبدلاً من تفكيك الطائفية، نكرّس نظاماً للتمييز الطائفي تغذّيه الكراهية ورفض الآخر. فلماذا نعيد بناء ما ناضل آخرون لهدمه؟
لدينا دستور يُراد إسكاته حين يتكلّم بوضوح. مادته السابعة تكرّس مساواة اللبنانيين، والخامسة عشرة تصون الملكية. والفقرة "و" من مقدمته تكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة، والفقرة "ط" تقول: "أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين"، وتحظر الفرز على أساس أي انتماء. والمادة الأولى تؤكد وحدة الدولة. هذه ضمانات مواطنة، لا عبارات احتفالية تُعلّق فوق حواجز الطوائف.
وهنا يطلّ الخطر السياسي: قد يبدأ التمهيد لفدرالية مذهبية بمنع الجار قبل تعديل الدستور. تُرسم الحدود في السجل العقاري، وتُزرع في الوعي، ثم يُطلب الاعتراف بها نظاماً للحكم. ليست كل فدرالية فصلاً عنصرياً، لكن الفدرالية التي تُمهّد لها كراهية الاختلاط تحمل الإقصاء في أساسها.
لا تُحمى هوية المتن التي اعتنقت شعار 10452 كم2 عقيدةً بإهانة المختلف، ولا يجوز اختزال أهله بأصوات التحريض. وأي شبهة تُحقق فيها المؤسسات الرسمية بالأدلة والبراهين، لا بمذهب المشتري.
الدفاع عن جفّال دفاع عن كل إنسان، وعن حريته وكرامته وحقّه في ألّا يتحوّل مذهبه إلى قيدٍ على حياته، وسوطٍ يُجلَد به. إنه دفاع عن المسيحي والمسلم، وعن الحريّة والمساواة، وعن حق الجميع في العيش بلا خوف.
حين يحتاج سند الملكية إلى شهادة طائفية، فعلى الوطن السلام.