في إطار السعي إلى استعادة ملامح الحياة اليومية في لبنان قبل الأزمة الاقتصادية التي انطلقت عام 2019، اتخذت المصممة اللبنانية جنا صوايا قراراً بمنح العملات المعدنية التي لم تعد ذات قيمة نقدية وظيفة جديدة، عبر تحويلها إلى قطع أثاث تجمع بين الاستخدام العملي والتصميم. ومن هذه الفكرة نشأت مجموعة "فراطة" التابعة لـ"استديو مجنونة"، والتي تشتمل على أربعة تصاميم يعاد فيها استخدام عملات من فئتي 250 و500 ليرة لبنانية لصناعة مصباح ومقعد وطاولتين جانبيتين. وكان الدافع وراء المجموعة هو محاولة صوايا تذكر أسعار بعض السلع اليومية قبل الأزمة، حيث قالت إنها بدأت بشكل تلقائي باستحضار تكلفة أطعمة ومشروبات كانت تشتريها، مثل منقوشة الزعتر التي كان ثمنها ألف ليرة لبنانية، ومنقوشة الجبنة التي كانت تباع بـ1500 ليرة، وقنينة المياه الصغيرة التي لم يتجاوز سعرها 500 ليرة. وأثارت هذه الذكريات لديها تساؤلاً حول ما حل بالأوراق النقدية والعملات المعدنية التي هجرها الناس. وبعد البحث، تبين لها أن انهيار قيمة الليرة اللبنانية دفع بعض الأفراد إلى اقتناء كميات ضخمة من العملات المعدنية، بهدف الاستفادة من معادنها وبيعها وفق قيمتها المعدنية بدلاً من قيمتها الاسمية. ومن ثم، بدأت تفكر في وسيلة للحفاظ على ذكرى تلك المرحلة عبر أشياء ملموسة، ليتحول ذلك لاحقاً إلى مجموعة تحمل اللفظ الدارج لهذه العملات. وتلفت صوايا إلى أن القصة الكامنة خلف المجموعة ليست مفرحة، على الرغم من سعيها إلى إنتاج قطع جميلة، إذ أن الأزمة الاقتصادية التي بدأت في 2019 قلبت حياة الناس رأساً على عقب. وما تزال هذه العملات قريبة إلى نفسها، رغم اختفائها التام من التداول اليومي. ويحمل كل تصميم في المجموعة اسماً يعكس القيمة الإجمالية للعملات المستخدمة في صنعه، بينما يتباين عدد العملات وفقاً لحجم القطعة وتصميمها. وتعتمد التصاميم الأربعة نمطاً يحاكي حراشف السمك في ترتيب العملات، حيث قد تبدو من بعيد كدوائر معدنية زخرفية، قبل أن يكتشف المشاهد عند الاقتراب أنها عملات لبنانية من فئتي 250 و500 ليرة. وتوظف صوايا التباين بين اللون النحاسي الذهبي لعملات فئة 250 ليرة واللون الفضي لعملات فئة 500 ليرة لخلق أنماط متنوعة في التصاميم الأربعة. وتُثبّت العملات على الهياكل الأساسية للأثاث، سواء على ساق الطاولة، أو جسم المصباح الذي يحمل الغطاء والمصباح الكهربائي، أو قاعدة المقعد التي تتحمل وزن الجالس. ويتيح هذا الأسلوب للعملات أداء دور زخرفي، بينما تحافظ البنية الأساسية لكل قطعة على وظيفتها العملية. وتوضح المصممة أنها جربت عدة طرق لتثبيت العملات قبل اعتماد نظام يقوم على ربطها ببعضها البعض. فتُصقل كل عملة وتُثقب ثم تُوصَل بالهيكل عبر سلك معدني، ويُثبَّت السلك باللحام لضمان بقائها في مكانها. ويُشكّل تأمين الكميات المطلوبة من العملات المعدنية أحد أبرز التحديات التي واجهتها صوايا، إذ عثرت على شخص جمع كمية كبيرة منها وباعها لها بالكيلوغرام، مما سمح لها بالعمل على نطاق أوسع. وما يزال العثور على كميات كبيرة من عملات فئة 500 ليرة ممكناً، لكن الحصول على عملات فئة 250 ليرة صار أكثر صعوبة. وتعزو ذلك إلى أن النحاس الموجود في عملات الفئة الأخيرة يفوق النيكل الموجود في عملات فئة 500 ليرة من حيث القيمة المعدنية، وهو ما جعل العملات النحاسية أكثر طلباً في مستهل الأزمة عام 2019، بقصد صهرها وبيع معادنها. وبناءً عليه، تصف صوايا "فراطة" بأنها مجموعة مؤقتة بطبيعتها، إذ قد تضطر إلى وقف إنتاج قطعها عندما تعجز عن العثور على العملات اللازمة. وترى صوايا أن القطع المصممة ينبغي أن تحمل معنى يتجاوز وظيفتها المباشرة، فبعض الأشخاص يختارون الأثاث لما يوفره من راحة أو فائدة عملية، بينما ينجذب آخرون إلى القطع لأغراض جمالية، لكنها تسعى إلى الجمع بين الجانبين، عبر ابتكار قطع فنية تحمل أبعاداً عاطفية وجمالية، وتؤدي في الوقت نفسه وظيفة عملية.
مشروع "فراطة".. عملات لبنانية فقدت قيمتها تتحول إلى أثاث عصري
في مشروع "فراطة"، تحوّل المصممة اللبنانية جنا صوايا عملات من فئتي 250 و500 ليرة فقدت قيمتها إلى قطع أثاث عصرية، مستوحاة من ذكريات ما قبل الأزمة الاقتصادية عام 2019.
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.