عندما يُعلَن عن زيارة دولة يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه- إلى إحدى الدول الشقيقة أو الصديقة، يطرح البعض سؤالًا حول دلالة هذا المسمى، وما الفرق بينه وبين صيغ أخرى من الزيارات كزيارات العمل أو الزيارة الرسمية؟
خلال مسيرتي الطويلة في العمل الصحفي والإعلامي غطّيتُ عددًا كبيرًا من الفعاليات، غير أن الزيارات السلطانية السامية إلى الخارج تبقى دائمًا في مقدمة ما يحظى باهتمام إعلامي واسع ومستحق. ويمكن القول إن زيارة الدولة تمثل القمة في سلم الزيارات، وأسمى صور التكريم والحفاوة التي تُقدَّم لضيف، وهي عادةً ما تُقام مرة واحدة لكل رئيس دولة. ومن هذا المنطلق يتضح البُعد الكبير لزيارة جلالته إلى المملكة المتحدة، وما شاهدناه من موكب مهيب وحفاوة بالغة، وهو تجسيد عملي للمعنى الحقيقي لزيارة الدولة. غير أن هذه الزيارة ليست مجرد استحقاق بروتوكولي رفيع، بل هي كذلك مناسبة لإبراز عمق العلاقات بين البلدين، ولا سيما حين تكون هذه العلاقات متجذرة في التاريخ وتشكل ركيزة أصيلة في علاقات الدولتين.
وأثناء تتبعي للزيارة السامية وللحفاوة الملكية الاستثنائية التي لاقا بها جلالة عاهل البلاد المُفدى، أبهرتني مظاهر الاحتفال المهيبة التي كان لجلال مقام مولانا المعظم أهلًا؛ فالعربة الملكية المُزينة بالرسومات الذهبية تجرها خيول أصيلة، والحضور العسكري اللافت لحرس الشرف والمراسم المُذهلة وحضور الخيالة الملكية البريطانية، وإطلاق مدفعية الخيالة الملكية (سرية جلالة الملك) 41 طلقةً من الساحة الداخلية لقلعة ويندسور، وإطلاق مدفعية سرية التشريفات في برج لندن أيضًا 41 طلقةً، وكل ذلك يعكس المكانة الرفيعة التي يحظى بها جلالة السلطان وسلطنة عُمان والشعب العُماني لدى المملكة المتحدة الصديقة ولدى جلالة الملك تشارلز الثالث وزوجته الملكة كاميلا. ولم يقتصر الاحتفاء الملكي على هذا الموكب، بل شمل كافة فقرات ومحطات الاستقبال الرسمي في قلعة ويندسور، حيث أُقيم عرض عسكري بمشاركة تشكيلات من مدفعية الخيالة الملكية والحرس الملكي البريطاني.
وتُجسّد هذه الحفاوة الملكية الفريدة عمق الروابط التاريخية بين البلدين الصديقين، كما أنها أول زيارة دولة يقوم بها جلالة السُّلطان إلى المملكة المتحدة، والأولى لسلطان عُماني منذ 44 سنة. وهذا المسافة الزمنية الطويلة، التي تمتد لأكثر من أربعة عقود، تضفي على المناسبة معنى يتجاوز الجانب البروتوكولي، لتمتد نحو آفاق الشراكة الاستراتيجية والتعاون القائم بين البلدين في شتى المجالات، وعلى رأسها الاقتصادية والثقافية والتعليمية، إضافة إلى ملفات السياسة والأمن والتعاون العسكري.
وتحتل هذه الزيارة موقعًا مميزًا في سجل الزيارات المتبادلة بين البلدين، في ظل مرور منطقتنا بضغوط غير مسبوقة وصراعات عسكرية مستمرة تُبثّ الفتنة في عدد من دول الإقليم. ومن هذا المنطلق، فإن المحادثات الثنائية بين قائدي البلدين والمسؤولين المعنيين بالملفات الدبلوماسية والأمنية قد تُفضي إلى نتائج تدعم المساعي الرامية إلى تخفيف التوتر الإقليمي واستعادة الاستقرار، وضمان حرية الملاحة وسلاسة حركة التجارة الدولية، إلى جانب ملفات أخرى عديدة.
وظلت سلطنة عُمان عبر تاريخها نقطة ارتكاز للاستقرار والسلام، بفضل نهجها الإيجابي وسياسة الحياد البنّاء التي تتضح في مواقفها المتعددة. وتزداد أهمية هذا النهج مع ما تتمتع به عُمان من موقع استراتيجي فريد في المنطقة، أثبتت الأحداث أنه يمنحها تفردًا لا نظير له؛ إذ تشرف على مضيق هرمز، وفي الوقت ذاته تمتلك منافذ بحرية عديدة خارج هذا الممر الملاحي الضيق، وهو ما يمنحها أفضلية استراتيجية على دول المنطقة جميعًا، خصوصًا فيما يتعلق بأمن الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد.
كما يتجاوز التعاون العُماني البريطاني في مجالي الأمن البحري ودعم الاستقرار الإقليمي حدود التنسيق الثنائي، ليمتد إلى الإسهام في صون المصالح الاقتصادية الدولية، وهي نقطة بالغة الأهمية ستكون بلا شك حاضرة بقوة في جدول المحادثات الثنائية بين البلدين.
وتُبرهن زيارة الدولة التي يقوم بها جلالة السلطان المعظم- أيده الله- إلى المملكة المتحدة على خصوصية النهج العُماني القائم على دبلوماسية السلام وسياسة القنوات المفتوحة، والحرص على تهيئة الأجواء الملائمة لاحتضان مفاوضات دولية ترسم ملامح مستقبل الإقليم وتسهم في ضبط مساره، بما يحقق السلام والاستقرار المنشودين. ويحظى هذا الدور بتقدير وامتنان كبيرين من المملكة المتحدة ودول العالم أجمع، خاصة أن بريطانيا ترتبط مصالحها بأمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة والتجارة؛ ومن ثم يمكن القول إن تعميق التعاون الاستراتيجي مع سلطنة عُمان يخدم مصالح البلدين المشتركة، لا سيما في ضوء الاتفاقية الشاملة للصداقة الراسخة والتعاون الثنائي بين حكومة سلطنة عُمان وحكومة المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية، الموقعة في لندن بتاريخ 22 مايو 2019، واتفاقية التعاون الدفاعي المشتركة الموقعة في العام نفسه؛ فالأمن والاستقرار يشكلان حجر الأساس لبيئة استثمارية جاذبة، ولديمومة التجارة، وثقة المؤسسات المالية والشركات الدولية. وكلما ازدادت قدرة الدول على احتواء المخاطر الجيوسياسية، تضاعفت فرصها في جذب الاستثمارات طويلة الأجل وتنفيذ المشروعات التي تتطلب استقرارًا تشريعيًا وأمنيًا وتشغيليًا.
وفي صميم هذه الأبعاد الاستراتيجية، يحتل الاقتصاد موقع المحرك الرئيسي لمسيرة تطور العلاقات الثنائية؛ فالمملكة المتحدة هي أكبر مستثمر أجنبي مباشر في سلطنة عُمان، وقد ارتفع رصيد الاستثمار البريطاني المباشر إلى 16.123 مليار ريال في عام 2025، وبلغت الاستثمارات البريطانية 16.766 مليار ريال بنهاية الربع الثاني من عام 2026، في حين بلغت الاستثمارات العُمانية المباشرة في بريطانيا 84.6 مليون ريال عُماني بنهاية عام 2025. أما على صعيد التجارة الثنائية، فتشير البيانات الرسمية إلى ارتفاع التبادل التجاري إلى 384.8 مليون ريال في عام 2025 مقابل 221.7 مليون ريال في 2024، بنسبة نمو بلغت 73.5%، فيما سجّل حجم التبادل التجاري خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 نحو 387.9 مليون ريال. وتؤكد هذه المؤشرات متانة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وقدرهما على المضي قدمًا نحو مزيد من الإجراءات لتعزيز هذه العلاقات وزيادة الاستثمارات المشتركة.
إن الروابط التاريخية التي توحّد سلطنة عُمان والمملكة المتحدة، إلى جانب الشراكة الاستراتيجية بمختلف أبعادها السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، تؤكد أن البلدين يسيران معًا نحو آفاق أرحب من التعاون والشراكة، بما يحقق الأهداف المنشودة ويستجيب لتطلعات قيادتي وشعبي البلدين الصديقين.