قد تطل الشكوى مع إشراقة يوم دراسي: تقلصات في أسفل البطن، وغثيان، ورغبة ملحة في الانكفاء تحت الغطاء. وبين أم تطمئن ابنتها بأن ما تمر به أمر مألوف، وأخرى تخشى أن يكون مؤشراً على مشكلة صحية، يبرز التساؤل: كيف يمكن تخفيف ألم الحيض، ومتى يصبح التقييم الطبي ضرورة؟
وفقاً لمراجعة علمية صدرت عام 2019، تصيب آلام الدورة الشهرية نحو 71% من الشابات دون الخامسة والعشرين. وعلى الرغم من أن غالبية الحالات لدى المراهقات لا ترتبط بمرض في الحوض، فإن شيوع الألم لا يبرر التقليل من شأنه، لا سيما حين يعيق الانتظام في الدراسة والأنشطة اليومية.
أثناء الحيض، ينقبض الرحم لطرد بطانته تحت تأثير مواد تدعى البروستاجلاندين. ويؤدي ارتفاع تركيز هذه المواد إلى انقباضات أشد وألم أقوى، قد يرافقه غثيان أو صداع أو إسهال.
يُطلق على الألم الذي يحدث دون وجود مرض حوضي اسم "عسر الطمث الأولي"، وهو النمط السائد بين المراهقات. ويظهر عادة خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر التالية لأول دورة، ويبدأ قبيل نزول الدم أو مع بدايته، وقد يمتد حتى ثلاثة أيام. أما "عسر الطمث الثانوي" فيرتبط بحالة مرضية، أبرزها الانتباذ البطاني الرحمي (البطانة المهاجرة).
لا يُحكم على الألم من شدته فحسب، بل من أثره في حياة الفتاة: هل تتمكن من حضور المدرسة؟ هل يوقظها ليلاً؟ هل يستجيب للعلاج؟ هذه التفاصيل تعين الطبيبة على تقرير الحاجة إلى فحوص إضافية.
قد تسهم وسائل منزلية بسيطة في تخفيف الألم، كوضع قربة ماء دافئ ملفوفة بمنشفة على أسفل البطن، أو الاستحمام بماء دافئ، أو التدليك اللطيف. ولتجنب الحروق، يجب الابتعاد عن الحرارة المرتفعة وعدم وضع القربة الساخنة مباشرة على الجلد، مع اتباع تعليمات الاستخدام عند الاستعانة باللصقات الحرارية.
تشير الأبحاث إلى أن الدفء قد يخفف تقلصات الحيض؛ فقد رصدت مراجعة منشورة في دورية "فرونتيرز إن ميديسن" تحسناً في الألم مقارنة بعدم تلقي علاج. غير أن درجة اليقين في كثير من النتائج كانت منخفضة، كما شملت الدراسات وسائل حرارية مختلفة، فلا يمكن تعميم نتائجها على كل وسيلة منزلية أو اعتبارها دليلاً على فعالية تضاهي المسكنات.
وقد تفيد الحركة الخفيفة أيضاً، كالمشي الهادئ وتمارين الإطالة، بحسب قدرة الفتاة ومدى ارتياحها. ويمكن الموازنة بين الحركة والراحة، دون إرغامها على نشاط يزيد انزعاجها. وتدرج هيئة الخدمات الصحية البريطانية الدفء والتدليك والتمارين الخفيفة ضمن وسائل العناية الذاتية لتخفيف ألم الدورة.
أما الانتظام في ممارسة الرياضة طوال الشهر، فقد يساعد على تقليل شدة الألم. فقد وجدت مراجعة "كوكرين"، التي ضمت 12 دراسة شملت 854 امرأة، فائدة محتملة للرياضة مقارنة بعدم ممارستها، لكنها صنفت الأدلة بأنها منخفضة الجودة، ولم تتمكن من حسم مدى فعاليتها مقارنة بالمسكنات، أو تقييم سلامتها بصورة كافية استناداً إلى الدراسات المتاحة.
قد تساعد المشروبات الدافئة، ك الزنجبيل والقرفة والبابونج، على منح الفتاة شعوراً بالدفء والراحة أثناء الحيض، ويمكن إدراجها ضمن وسائل العناية المنزلية المساعدة على تجاوز أيام الألم.
ويحظى الزنجبيل خصوصاً بنتائج بحثية مشجعة؛ إذ تشير مراجعة علمية نُشرت عام 2024 إلى فائدة محتملة في تخفيف عسر الطمث الأولي. ومع أن الدراسات اختبرت مستحضرات وجرعات محددة، ولا يمكن الجزم بأن المشروب المنزلي يحقق التأثير نفسه، فإنه يظل خياراً يمكن الاستمتاع به إذا كانت الفتاة تتقبله ولا يسبب لها انزعاجاً.
يُفضل إعداد هذه المشروبات بتركيز معتدل، مع تجنب الخلطات المركزة ومكملات الأعشاب دون استشارة طبية. وإلى جانب الوجبات المتوازنة وشرب الماء والنوم المنتظم، يمكن أن تكون جزءاً من روتين مريح للعناية بالنفس، مع طلب العلاج المناسب إذا كانت التقلصات تعطل الدراسة والأنشطة اليومية.
لا ينبغي أن تنتظر الفتاة حتى يشتد الألم، أو أن تجرب جميع الوصفات المنزلية قبل اللجوء إلى المسكنات. فمضادات الالتهاب غير الستيرويدية، مثل الإيبوبروفين، من العلاجات الأساسية لألم الحيض؛ لأنها تقلل إنتاج البروستاجلاندين، المواد التي تسهم في حدوث تقلصات الرحم.
ويُستعان بالطبيب أو الصيدلي لاختيار الدواء والجرعة المناسبين لعمر الفتاة ووزنها وحالتها الصحية، مع مراعاة مشكلات المعدة والكلى والحساسية وبعض حالات الربو. كما ينبغي تجنب الجمع بين مسكنات تنتمي إلى الفئة نفسها دون توجيه طبي.
ويؤثر توقيت تناول المسكن في فعاليته؛ فإذا كان موعد الدورة متوقعاً، فقد توصي الطبيبة بالبدء به قبلها بيوم أو يومين، ومواصلة استخدامه وفق الخطة العلاجية خلال الأيام الأولى من النزف، عوضاً عن انتظار اشتداد التقلصات. وقد تقترح أيضاً علاجات هرمونية لتخفيف الأعراض، بحسب التقييم الطبي وتفضيلات المراهقة وأسرتها.
إلى جانب تخفيف الألم، تحتاج الفتاة إلى الشعور بأن شكواها مسموعة، وأن بإمكانها الحديث عن الحيض دون خجل. ويبدأ ذلك بالاستماع إليها وتفهّم ما تمر به، وتجنب عبارات مثل "كل البنات يمررن بهذا"، التي قد تشعرها بأن ألمها لا يستحق الاهتمام.
ويمكن ترجمة هذا الدعم إلى خطوات عملية، كتجهيز حقيبة صغيرة للمدرسة تضم فوطاً صحية وملابس داخلية إضافية، وتحديد شخص موثوق تستطيع اللجوء إليه عند الحاجة، وإتاحة وقت للراحة. ويساعد تسجيل مواعيد الدورة ومدتها وشدة الألم والاستجابة للمسكنات وعدد مرات تغيير الفوط على متابعة الأعراض وتوضيحها للطبيبة.
وقد تتفاوت الفترات بين الدورات خلال السنوات الأولى، لكن ذلك لا يعني تجاهل التغيرات الملحوظة. ووفق إرشادات الكلية الأميركية لأطباء النساء والتوليد، تتراوح المدة بين بداية دورة وأخرى لدى معظم المراهقات بين 21 و45 يوماً. ويستدعي التقييم الطبي استمرار النزف أكثر من سبعة أيام، أو الحاجة إلى تغيير الفوط الصحية كل ساعة إلى ساعتين.
يستدعي الألم الذي يعطل الدراسة والأنشطة اليومية استشارة طبية، خصوصاً إذا كان شديداً منذ أول دورة، أو يزداد مع الوقت، أو يظهر خارج أيام الحيض، أو يصاحبه ألم عند التبول أو التبرز.
وإذا لم تتحسن الأعراض بعد ثلاثة إلى ستة أشهر من العلاج المناسب، توصي الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد بمراجعة استخدام العلاج والبحث عن أسباب أخرى. ولا تعني هذه المهلة الانتظار عند وجود ألم شديد أو أعراض مقلقة.
أما الألم المفاجئ الشديد، أو النزف الغزير المصحوب بإغماء أو دوخة شديدة، فيحتاج إلى تقييم عاجل. ويستحق الفحص أيضاً انقطاع الدورة ثلاثة أشهر، أو عدم بدئها حتى سن الخامسة عشرة.
وتبدأ الطمأنة بمساعدة الفتاة على فهم جسدها والعناية به، وإشعارها بأن ألمها يؤخذ بجدية، وأن المساعدة متاحة عندما تحتاج إليها.