يتجه جينزو وانغ، الشاب البالغ من العمر 22 عاماً، مع رفاقه إلى مجمع استجمامي ضخم بجوار جامعتهم في بكين لقضاء أوقات فراغهم؛ حيث يبدأ يومه بحمام ساخن، ثم ينتقل إلى جلسات التدليك، أو يمارس أنشطة ترفيهية مثل الكاريوكي والبلياردو. وفي بعض الأحيان، يفضل وانغ المبيت في المجمع لتجنب أجواء السكن الجامعي، بتكلفة تتراوح ما بين 300 و350 يواناً (نحو 45 إلى 52 دولاراً)، وهو سعر يقل عن تكلفة العديد من فنادق العاصمة.
تنتشر هذه المجمعات متعددة الطوابق في مختلف المدن الصينية، وتعمل دون توقف لتقدم مزيجاً من الاستجمام والترفيه، إذ تضم صالات ألعاب إلكترونية، ودور سينما، وكبسولات للنوم، بالإضافة إلى منزلقات مائية وأحواض غوص. وفي مدينة شنتشن جنوباً، يبرز مجمع "شويغوه بلس" الذي يقدم بوفيه مأكولات بحرية فاخرة تشمل جراد البحر الشوكي والكافيار، بينما يجذب منتجع "تانغتشي تانغتشيوان لايف تينز"، الذي يمتد على مساحة 430 ألف قدم مربعة، الزوار ببوفيه مثلجات "هاجن داز" المفتوح. أما في مدينة هاربين بمقاطعة هيلونغجيانغ، فيوجد منتجع يتميز بحوض مياه ساخنة مصمم على شكل وعاء "الهوت بوت" مع قطع فلفل حار طافية.
تمتلك الصين إرثاً طويلاً في ثقافة الحمامات العامة، التي كانت قديماً ضرورة لمن يفتقرون للمياه الساخنة في منازلهم، خاصة في المناطق الشمالية الشرقية لمواجهة الشتاء القارس وعلاج جفاف الجلد. وبينما لا يزال كبار السن يفضلون الحمامات التقليدية التي توفر خدمات العناية بالجسم وأنشطة اجتماعية مثل لعب "الماهجونغ" ومصارعة "صراصير الليل"، فقد تطورت هذه المرافق مؤخراً إلى مجمعات ضخمة تستقطب الأجيال الشابة والسياح عبر الترويج لها في منصات التواصل الاجتماعي.
رفاهية ميسورة التكلفة
تتعدد أسباب زيارة هذه المجمعات، بدءاً من الاحتفال بأعياد الميلاد واللقاءات الاجتماعية والعملية، وصولاً إلى المذاكرة. وفي هذا السياق، كشف استطلاع لشركة "ماكينزي آند كومباني" عام 2025 أن 94% من المستهلكين الصينيين يضعون الصحة والعافية ضمن أولوياتهم. وترى آنا إيسكرا، الباحثة في جامعة "Hong Kong Polytechnic University"، أن هذه المنتجعات تمثل وسيلة مقبولة للعناية بالذات للطبقة الوسطى في المدن، خاصة في ظل الوصمة الاجتماعية التي لا تزال تحيط بالاستشارات النفسية.
كما يلعب العامل الاقتصادي دوراً محورياً في هذا الإقبال، خاصة مع تباطؤ الاقتصاد الصيني؛ إذ تبدأ أسعار الدخول من حوالي 300 يوان (40 دولاراً)، وهو ما وصفته إيسكرا بأنه مبلغ زهيد مقابل مجموعة واسعة من الخدمات. وأشارت شينيي تشنغ، المسؤولة التسويقية في مجموعة "شيانغشانغوي" التي تدير علامات تجارية مثل "تشيوشوي لانتينغ" و"شويغوه"، إلى تزايد الطلب على ما يسمى بـ"الإجازات القصيرة داخل المدن".
جذب سياحي وتوسع عالمي
تعد ثقافة الاستجمام المائي شائعة في آسيا، مثل حمامات "جيمجيلبانغ" في كوريا الجنوبية وينابيع المياه الساخنة في اليابان. وفي الصين، بدأت هذه المنتجعات تجذب الأجانب بشكل أكبر تماشياً مع خطط الحكومة لتنشيط السياحة، وبدعم من منصات "تيك توك" و"إنستغرام". ووفقاً لشركة "سبا سيكرز" البريطانية، فقد احتلت أربع مدن صينية مراكز متقدمة في قائمة وجهات سياحة المنتجعات الصحية لعام 2026، مع زيادة عمليات البحث عن منتجعات شنغهاي بنسبة 67% عن العام السابق.
وعلى الرغم من عائق اللغة، تساهم التكنولوجيا في تسهيل تجربة السياح عبر حجز التذاكر إلكترونياً واستخدام تطبيقات الترجمة والدفع الرقمي. ومع ذلك، يشكو بعض الزوار من الضوضاء الناتجة عن مقاطع الفيديو أو الشخير في مناطق الراحة، فضلاً عن وجود غرف مخصصة للتدخين في بعض المرافق.
وقد انتقل هذا النموذج إلى خارج الحدود الصينية، حيث افتتح مجمع "بابل هاوس بلس" في سنغافورة، والذي يعمل على مدار الساعة ويوفر سينما وغرف بخار وكبسولات راحة، بتكلفة دخول تبلغ 129 دولاراً سنغافورياً (نحو 100 دولارات أمريكية) لمدة 24 ساعة شاملة وجبة الغداء.
ويؤكد وانغ أن التنوع الكبير في الأنشطة هو الميزة الأساسية لهذه المنتجعات، قائلاً: "تجمع كثير منها اليوم بين مرافق ترفيهية متنوعة، ما يحلّ مشكلة اختلاف رغبات الأصدقاء بشأن الأماكن التي يريدون الذهاب إليها".