تحتل قاعة إفريقيا مكانة بارزة في الذاكرة الثقافية للشارقة، إذ جمعت بين الفن والمعرفة والبحث والحوار، وربطت الماضي بالتجربة الحية. بدأ حضورها استجابة لحاجة ثقافية في سبعينات القرن الماضي، ثم تطور مع توسع المشروع الذي احتضنها، وأصبحت جزءاً من جهود أوسع للتعرف إلى إفريقيا وتاريخها وثقافاتها، وتوطيد صلاتها بالعالم.
شهد ديسمبر 1976 افتتاح القاعة، بالتزامن مع حركة عمرانية شملت إنشاء مبانٍ حكومية حديثة في الإمارة. وجاءت تسميتها نسبة إلى أول نشاط ثقافي وسياسي استضافته، وهو ندوة العلاقات العربية الإفريقية، التي بدأت في 14 ديسمبر من العام نفسه، بمشاركة 45 مفكراً عربياً وإفريقياً، وبرعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
تخطى هدف الندوة حدود النقاش الفكري، إذ بحث الحاضرون وسائل تقوية العلاقات العربية الإفريقية، ودعوا إلى تأسيس مؤسسة تتولى دراسة الروابط التاريخية بين الجانبين وتوثيقها. ومن الفكرة التي جمعت البحث في التاريخ المشترك بالعمل الثقافي، يمكن رصد مسار قاد إلى إنشاء معهد إفريقيا في الشارقة عام 2018، وهو معهد يهتم أكاديمياً بتاريخ القارة الإفريقية وثقافاتها والشتات الإفريقي وعلاقاته بالعالم.
امتداد
استعاد صاحب السمو حاكم الشارقة تاريخ القاعة خلال افتتاحها بعد تجديدها في 25 سبتمبر 2018، وأبرز مكانتها في بدايات النهضة الثقافية بالإمارة. ووصفها بأنها «حاضنة الثقافة الأولى»، لافتاً إلى أنها احتضنت مشروع الشارقة الثقافي الذي بدأ عام 1978، وظلت لسنوات مقراً يستوعب الجانب الأكبر من الأنشطة الثقافية، قبل انتشار القاعات المتخصصة والمؤسسات الثقافية بالصورة الراهنة.
وتوضح هذه الشهادة حجم الدور الذي اضطلعت به القاعة في مرحلة التأسيس؛ فقد كانت الأولوية لإيجاد مكان يجمع المثقفين والكتاب والفنانين، قبل الاهتمام بالجوانب المعمارية والتجهيزات. وأسهمت الندوات والأمسيات الشعرية والحوارات الفكرية والعروض الفنية في بناء حركة ثقافية أخذت تنمو تدريجياً، ثم امتدت إلى مؤسسات ومهرجانات ومبادرات ثقافية أخرى.
وفي المناسبة ذاتها، لفت صاحب السمو حاكم الشارقة إلى ما حققته الإمارة من تطور، وقال إن عدد القاعات المماثلة في مختلف أرجائها بلغ حينها نحو 16 قاعة. ويظهر هذا الرقم حجم الانتقال من فضاء ثقافي مركزي يحتضن معظم الفعاليات إلى شبكة متعددة من المؤسسات والأماكن التي وسعت حضور الثقافة في حياة المجتمع.
تستعيد قاعة إفريقيا مرحلة تأسيسية من مشروع الشارقة الثقافي، حين أتاح مكان محدود المساحة فرصاً واسعة للتعلم والإبداع. وساعدت على جمع الكاتب بقرائه، والشاعر بجمهوره، والفنان بزملائه، لتغدو الأنشطة الثقافية جزءاً من الحياة العامة، لا فعاليات عابرة تنتهي بانتهاء موعدها.
دلالة
جاء التصميم الأول لقاعة إفريقيا معبراً عن ظروف المرحلة التي تأسست فيها. فالمبنى البسيط احتوى على مدخل وساحة داخلية ومسرح وكواليس خلفية بإمكانات محدودة، بما يلائم مهمته الأساسية في استقبال اللقاءات والندوات والعروض الثقافية والفنية.
لكن محدودية التجهيزات لم تحول دون أداء القاعة لدورها؛ إذ ارتبطت قيمتها بالفعاليات التي أقيمت فيها، وبجمهورها، وبالأفكار التي ناقشها روادها. ويبرز ذلك جانباً من أهمية الأماكن الثقافية، التي لا تُقاس بتصميمها وتجهيزها وحدهما، بل بما تتيحه من فرص للالتقاء والعمل والتفاعل.
أُعيد بناء القاعة، وافتُتحت مجدداً في سبتمبر 2018. وجاءت عودتها لتصون اسم المكان ودلالته التاريخية، وتصل ذاكرته بدور ثقافي متجدد يرتبط بأنشطة معهد إفريقيا.
وهكذا بقيت القاعة حاضرة في المشهد الثقافي للشارقة، وانتقلت إلى فصل جديد من تاريخها. ولم يقطع إعادة تشييدها صلتها بالماضي، بل أتاح مواصلة هذه الصلة ضمن توجه يهتم بدراسة إفريقيا وثقافاتها، وبحث الروابط التي وصلتها بالعالم العربي ومناطق المحيط الهندي.
مشروع
شكّل تأسيس معهد إفريقيا في الشارقة عام 2018 محطة مفصلية في مسار القاعة، إذ أضاف إلى تاريخها إطاراً مؤسسياً، ووصل حضورها بمشروع أكاديمي يدرس القارة الإفريقية وشعوبها وثقافاتها، ويوثق علاقاتها التاريخية بمناطق العالم المختلفة، وفي مقدمتها العالم العربي.
وترأس سمو الشيخة حور بنت سلطان القاسمي المعهد، الذي تأسس كمؤسسة بحثية وأكاديمية متخصصة في الدراسات الإفريقية ودراسات الشتات الإفريقي. ويسعى إلى تعميق المعرفة بتاريخ القارة وتجاربها الثقافية والاجتماعية والسياسية، عبر البحث والتوثيق والبرامج الأكاديمية والندوات والمؤتمرات والمعارض والعروض الفنية والسينمائية.
وتؤدي قاعة إفريقيا دور إحدى المنصات التي تربط أنشطة المعهد بالمجتمع، وتفسح المجال أمام الجمهور للتفاعل مع الموضوعات التي يعرضها الباحثون والمفكرون والفنانون. وأكدت سمو الشيخة حور القاسمي أن للقاعة أهمية بوصفها أول منصة شهدت تبلور مبادرات ثقافية وفنية، وأسهمت في ظهور مؤسسات ومرافق صارت جزءاً من المشهد الحضاري للشارقة. كما استضافت أسماء ثقافية عربية بارزة، وكانت الإمارة محطة مهمة في مسيرتها الإبداعية.
وتنبع أهمية هذه المرحلة من بقاء الصلة بين ماضي المكان ووظيفته الحالية؛ فالقاعة التي احتضنت في بداياتها نقاشاً عن العلاقات العربية الإفريقية، باتت اليوم ضمن مؤسسة تدرس تلك العلاقات وتعمل على توسيع فهمها، من خلال البحث والتدريس والنقاش العام. ويجسد تطورها امتداد الفكرة الأولى، من ندوة شارك فيها مفكرون من الجانبين إلى مشروع أكاديمي ينتج المعرفة ويوثق التجارب ويفتح مجالات أرحب للحوار.
حكاية مدينة
يرتبط تاريخ قاعة إفريقيا بجانب من حكاية الشارقة الثقافية، وبمرحلة رسمت فيها المدينة مسارها عبر الاهتمام بالكتاب والفنون والمسرح والحوارات الفكرية. وظل المكان حاضراً في الذاكرة المحلية لارتباطه ببدايات واضحة، وبأسماء وتجارب وفعاليات أسهمت في تشكيل المشهد الثقافي للإمارة.
ولا تقتصر أهمية هذه الذاكرة على استعادة ما مضى أو الاحتفاء به؛ إذ تتسع دلالتها حين تساعد على فهم التحولات التي عرفتها المدينة، وكيف تطور النشاط الثقافي من مكان يستقبل الفعاليات إلى منظومة مؤسسات ومشروعات تسهم في إنتاج المعرفة وتعزيز حضورها.
ملامح
- تأسست في عام 1976
- أعيد إحياؤها في 2018
- استضافت فعاليات (الشتات الإفريقي)
- فعاليات وأمسيات عالقة في الذاكرة