دشنت المملكة مرحلة جديدة في هيكلة اقتصادها الرقمي مطلع نوفمبر 2026، مع إعلان «صندوق الاستثمارات العامة» وشركة «أرامكو السعودية»، في بيان مشترك إتمام صفقة استحواذ «أرامكو» عبر إحدى شركاتها التابعة على حصة 49 في المائة من شركة «هيوماين» (HUMAIN) للذكاء الاصطناعي، واحتفاظ الصندوق السيادي بحصة الأغلبية البالغة 51 في المائة.
ووفقاً للبيان المشترك، تضخ «أرامكو» مساهمات نقدية تقارب 9.9 مليار ريال (2.6 مليار دولار) خلال عام 2026، إلى جانب شق غير نقدي يشمل نقل أصول في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة والأصول الرقمية والكفاءات المتخصصة إلى الكيان الموحد.
وتأتي الصفقة، بعد عام من توقيع مذكرة أحكام غير ملزمة في 28 أكتوبر 2025، أعقبت إطلاق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لشركة «هيوماين» في 12 مايو، ونقل ملكية «الشركة السعودية للذكاء الاصطناعي» (سكاي) إليها.
وأكد نائب المحافظ ورئيس الإدارة العامة للاستثمارات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالصندوق، يزيد الحميّد، أن الشراكة تواكب استراتيجية الصندوق (2026–2030) لتمكين منظوماته الاقتصادية الست.
ويستند هذا التوسع، وفق التقرير السنوي للصندوق الصادر في أغسطس 2026، إلى نمو إيراداته في 2025 بنسبة 9 في المائة إلى 450 مليار ريال، وتضاعف صافي أرباحه ليتجاوز 65 مليار ريال، ووصول أصوله المدارة إلى 3.4 تريليون ريال.
عوائد تقنية بـ42.4 مليار ريال.. إرث «أرامكو» من الحوسبة الفائقة إلى الكمومية
تتجاوز القيمة الصناعية للصفقة الضخ النقدي إلى نقل خبرة «أرامكو» التشغيلية التي سبقت طفرة الذكاء الاصطناعي.
كشف رئيس «أرامكو» وكبير إدارييها التنفيذيين، المهندس أمين الناصر، أن القيمة المحققة من التقنية بالشركة منذ عام 2023 بلغت 42.4 مليار ريال (11.29 مليار دولار)، وأظهر تقرير «أرامكو» السنوي لعام 2025 تحقيق عوائد تقنية بقيمة 4 مليارات دولار في 2024 و5.3 مليار دولار في 2025.
وقفزت عوائد الذكاء الاصطناعي وحده بنسبة 45 في المائة من 6.75 مليار ريال في 2024 إلى 9.8 مليار ريال في 2025 (ما يتجاوز 16.5 مليار ريال في عامين) عبر خفض المصروفات التشغيلية وتجنب الإنفاق الرأسمالي.
ويستند هذا الأداء، إلى تأسيس «مركز الثورة الصناعية الرابعة» بالظهران في مارس 2019، ومضاعفة القدرة الحاسوبية 10 أضعاف في 2025 لتتجاوز 570 بيتافلوب لمعالجة 10 مليارات نقطة بيانات يومياً، وتحديد 442 حالة استخدام بنهاية 2025 ونشر أكثر من 200 حل فعلي.
وفي «معمل غاز الفاضلي»، خفض التعلم المعزز بين أكتوبر 2024 وأبريل 2025 استهلاك مواد التنقية بنسبة 10 إلى 15 في المائة والطاقة بنحو 5 في المائة، بجانب تقليص انبعاثات الحرق 50 في المائة منذ 2010 وفق «ناما فنتشرز».
وتجارياً، أطلقت الشركة «أرامكو الرقمية» مطلع 2023 باستثمار 1.9 مليار دولار لثلاث سنوات، ووقعت اتفاقية بـ1.5 مليار دولار مع «غروك» (Groq) في مؤتمر «ليب 2025».
كما شارك صندوق «بروسبرتي7» في جولة بـ400 مليون دولار لشركة «Zhipu AI» الصينية (2024)، وقاد جولة بـ305 ملايين دولار لشركة «توغيذر إيه آي» الأمريكية في فبراير 2025، وخصصت «واعد فنتشرز» 100 مليون دولار للشركات الناشئة، واستثمرت 15 مليون دولار في «Rebellions» الكورية، ومولت «باسكال» الفرنسية لتشغيل أول حاسوب كمي صناعي بالشرق الأوسط في الظهران في نوفمبر 2025 وإطلاق منصته السحابية في مايو 2026.
اقتصاديات الـ3 غيغاواط.. هندسة التمويل والتحضير للطرح المزدوج
تدعم الصفقة خطة «هيوماين» لتطوير مراكز بيانات بسعة 3 غيغاواط بحلول 2030، ترتفع في خطتها الموسعة إلى 6 غيغاواط، عبر تشغيل 250 ميغاواط بنهاية 2026 و1 غيغاواط في 2027، بالاستناد إلى إتاحة كهربائية تصل إلى 14 غيغاواط من الشبكة الوطنية (منها 4 غيغاواط فورية)، وفق تصريحات الرئيس التنفيذي طارق أمين.
وإذ تقدر شركة «كوشمان آند ويكفيلد» متوسط تكلفة إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي عالمياً بنحو 16 مليار دولار لكل غيغاواط، أوضحت تقارير صحفية أن «هيوماين» تعتمد على عقود الشراء المسبق («أوف تيك») مع شركات التكنولوجيا الكبرى لتأمين القروض المصرفية، ومنها اتفاقية تمويل تجاوزت مليار دولار في يناير 2026 لتمويل 250 ميغاواط.
وتؤسس «هيوماين» صندوقاً محلياً بـ2.5 مليار دولار تديره «بي إس إف كابيتال» لتمويل 250 ميغاواط (قابلة للتوسع إلى 1 غيغاواط) مع شركة «المعمر لأنظمة المعلومات (MIS)»، بالتوازي مع شراكة بـ3 مليارات دولار مع «بلاكستون» وصفقة مليارية مع شركتها «إيرترنك» لإضافة 1.9 غيغاواط، ومشروع مشترك بـ1 غيغاواط مع «center3» التابعة لـ«stc»، ومشروع بـ500 ميغاواط مع «إنفيديا»، واستثمار 5 مليارات دولار مع «أمازون ويب سيرفيسز (AWS)» لبناء أول مصنع ذكاء اصطناعي لأمازون خارج أمريكا وتدريب 100 ألف شخص. كما حجزت «نيبيوس» 50 ميغاواط في مركز نيوم البالغة سعته 100 ميغاواط والمطور مع «داتا فولت» ليعمل نهاية 2027، وانضمت «أدوبي» كأول عميل دولي.
وتطلق «هيوماين» صندوقاً عالمياً لرأس المال الجريء يتجاوز 10 مليارات دولار —عقب استثمارها 3 مليارات دولار في «إكس إيه آي»— مشترطةً على الشركات المستفيدة تشغيل حوسبتها بالمملكة، مستندة إلى انخفاض تكلفة الحوسبة لديها بنحو 30 في المائة عالمياً بفضل تسعيرة الكهرباء التجارية البالغة 0.08 دولار للكيلوواط/ساعة وفق «معهد ميتسوي»، فيما تستقطب الشركة متخصصين للتحضير لطرح مزدوج في «تداول» ونيويورك خلال 3 إلى 4 سنوات.
توطين سلاسل الإمداد
تعزز الصفقة فرص الموردين المحليين مع توقع «برايس ووترهاوس كوبرز» (PwC) مساهمة الذكاء الاصطناعي بـ135 مليار دولار في الاقتصاد السعودي بحلول 2030 (12.4 في المائة من الناتج المحلي)، وإعلان هيئة «سدايا» في تقرير «حالة الذكاء الاصطناعي» نمو سعة مراكز البيانات بالمملكة بنسبة 115.8 في المائة بين 2023 و2025، وحلول المملكة بالمركز 14 عالمياً بالمؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي، وتطوير مركز «هيكساجون» الحكومي بسعة 480 ميغاواط، ودمج 5.87 بيتابايت من البيانات الحكومية.
ويدعم التوطين بلوغ برنامج «اكتفاء» في «أرامكو» نسبة 70 في المائة للمحتوى المحلي في فبراير 2026، ومستهدف الصندوق البالغ 60 في المائة، وتفضيل سعري حكومي بـ10 في المائة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وإطلاق الصندوق شركة «توريد» في سبتمبر 2026 لتمويل سلاسل الإمداد.
ووفق منصتي «فيجن 2030 إيه آي» و«إنفستمنت مونيتور»، شرعت شركة «آلات» (المدعومة بـ100 مليار دولار حتى 2030) و«لينوفو» (عقب استثمار ملياري دولار يمنح «آلات» حصة 12 في المائة) في تشغيل مصنع بالرياض في 2026 على مساحة 200 ألف متر مربع لإنتاج ملايين الخوادم والحواسيب، موفراً 15 ألف وظيفة مباشرة و45 ألفاً غير مباشرة وعائداً غير نفطي بـ10 مليارات دولار بحلول 2030.
كما تستثمر «الفنار العالمية للتطوير» 1.4 مليار دولار لإنشاء 4 مراكز بيانات وتصنيع المحولات ولوحات الجهد، وتعاونت «آلات» مع «كاريير» (التي قفزت طلبات مراكز البيانات لديها 300 في المائة بمخزون 8.5 مليار دولار) لبناء مركز تصنيع يوفر 5 آلاف وظيفة، بجانب حلول التبريد من «الزامل للمكيفات» و«UFCC» و«ARO».
تم نشر هذه المقالة «أرامكو» و«هيوماين».. تحالف الطاقة والحوسبة يعيد تشكيل الصناعة السعودية للمرة الأولي علي صحيفة الوئام.