نظم مركز الدراسات العُمانية جلسة حوارية بعنوان «تاريخ عُمان وتراثها العسكري (قراءة في كتاب)»، تناولت كتاب العقيد الركن المتقاعد فالح بن سيف بن مرهون المعمري، الصادر عام 2025، بوصفه أحد المؤلفات القليلة التي تتناول التاريخ العسكري العُماني في مساره التاريخي الممتد، وتسلط الضوء على تطور المؤسسة العسكرية العُمانية عبر العصور.
وأتاحت هذه الجلسة- التي أدارها الأستاذ الدكتور سيف بن ناصر المعمري مير مركز الدراسات العُمانية- مساحة للحوار حول تاريخ عُمان العسكري، وما شهده من تحولات في التنظيم العسكري، وبناء الجيوش، وتطور الأسلحة والتكتيكات والخطط، والأزياء العسكرية، إلى جانب تاريخ السفن والقدرات القتالية والانتصارات التي شكّلت جوانب من التجربة العُمانية عبر التاريخ، وصولًا إلى العهد الزاهر لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه.
ويأخذ الكتاب قارئه في رحلة تاريخية ممتدة، تبدأ من أقدم العصور قبل الميلاد، مرورًا بالمراحل التاريخية المتعاقبة التي شهدتها عُمان، وصولًا إلى العصر الحديث، مستعرضًا ملامح التطور العسكري في سياق التحولات السياسية والحضارية التي مرت بها البلاد. وقد عزز المؤلف مادته التاريخية بمجموعة من الصور التي أضفت على الكتاب ثراءً بصريًا ومعرفيًا، وأسهمت في تقريب جوانب من التاريخ العسكري العُماني وشواهده إلى القارئ.
وتتجلى أهمية الكتاب في سعيه إلى الإسهام في بناء معرفة منظمة بالتاريخ العسكري العُماني، وهي الغاية التي أكدها المؤلف في مقدمته، مشيرًا إلى حاجة سلطنة عُمان إلى كتابة تاريخ عسكري منهجي يستند إلى تحليلات علمية دقيقة لمختلف جوانبه، بما يسهم في بناء معرفة مؤسسية تتجاوز الجهود الفردية، وتؤسس لأرشيف ومرجع تاريخي دائم يستفيد منه القادة والباحثون والمحللون، ويتيح نقل هذا الإرث إلى الأجيال الجديدة بصورة أكثر شمولًا وعمقًا.
وتكتسب هذه المحاولة التوثيقية أهمية إضافية من الخبرة العلمية والمهنية للمؤلف؛ فقد ارتبط عمله بمتحف قوات السلطان المسلحة منذ عام 1990، وتولى إدارته خلال الفترة من 2017 إلى 2021، إلى جانب خلفيته الأكاديمية في التاريخ؛ إذ تخرج في قسم التاريخ ضمن الدفعة الأولى من خريجي الجامعة. وقد أتاح هذا التداخل بين التكوين الأكاديمي والخبرة العملية صلة مباشرة بالمصادر والشواهد المرتبطة بالتاريخ العسكري، انعكست على طبيعة الموضوعات التي يتناولها الكتاب وثراء مادته التوثيقية.
وتأتي هذه الفعالية ضمن برنامج «الخريف العلمي» الذي يقدمه مركز الدراسات العُمانية، في إطار جهوده الرامية إلى تنشيط الحوار العلمي، وإثراء المعرفة بتاريخ عُمان وثقافتها وحضارتها، وفتح آفاق التواصل بين الباحثين والأكاديميين والمهتمين بالشأن العُماني. ويعكس البرنامج توجه المركز نحو تقديم المعرفة التاريخية والثقافية في قوالب حوارية تتيح قراءة المؤلفات ومناقشة أفكارها، واستكشاف ما تقدمه من إضافات علمية، وربط مخرجات البحث الأكاديمي بقضايا الهوية والذاكرة الوطنية.
ومن خلال برنامج «الخريف العلمي»، يواصل مركز الدراسات العُمانية ترسيخ مكانته بوصفه فضاءً للبحث والحوار وتبادل الخبرات، ومنصةً لاستكشاف جوانب متعددة من التاريخ والثقافة العُمانية، بما يسهم في إثراء المشهد الثقافي والأكاديمي، وتعزيز الصلة بين المعرفة التاريخية والهوية الوطنية، وترسيخ الوعي بأن صون الذاكرة الحضارية يبدأ من دراستها وتوثيقها وإتاحتها للأجيال.