مع بدء موسم زراعة المحاصيل الشتوية في محافظة الحسكة، يواجه المزارعون ارتفاعًا في أسعار البذار وأجور حراثة الأراضي، وسط زيادة تكاليف المحروقات والصيانة، وانتظار عدد منهم صرف مستحقاتهم عن الموسم الزراعي الماضي.
وتأتي هذه الأعباء بعد موسم وفير للقمح في المحافظة خلال عام 2026، لكن المزارعين يحتاجون إلى تأمين تكاليف دورة إنتاج جديدة، قبل اتضاح الظروف المطرية التي ستحدد حجم المحصول المقبل.
وقال مزارعون وتجار بذار ومهندس زراعي لعنب بلدي، إن ارتفاع النفقات الأولية يدفع الفلاحين إلى محاولة تقليص التكاليف، في وقت تتفاوت فيه أسعار البذار وأجور الحراثة بحسب نوع المحصول وطبيعة العمل المطلوب.
البذار والحراثة.. تكاليف مرهقة
قرر المزارع حميد سلمان، من ريف الحسكة الجنوبي، العودة إلى زراعة أرضه بعد أن تركها دون فلاحة خلال الموسم الماضي، مشيرًا إلى أن الإنتاج الوفير الذي شهدته المحافظة خلال الموسم الماضي شجعه على استئناف الزراعة هذا العام.
وقال سلمان لعنب بلدي، إنه اشترى بذار القمح بسعر مرتفع، ثم تولى فرزها وتعقيمها، لتصل تكلفة الطن الواحد إلى نحو 400 دولار.
وأضاف أن ارتفاع أسعار البذار يرهق أصحاب الدخل المحدود، لكنه يأمل أن يحقق الموسم الجديد إنتاجًا وفيرًا يغطي التكاليف ويترك له هامش ربح جيدًا.
ولا تقتصر النفقات على تأمين البذار، إذ يحتاج المزارعون إلى دفع أجور حراثة الأراضي قبل البذار، وهي تكلفة تتأثر بأسعار المحروقات المستخدمة في تشغيل الجرارات الزراعية.
وأوضح سلمان أن أجور حراثة الدونم الواحد تفاوتت بين أصحاب الجرارات الذين تواصل معهم، إذ طلب بعضهم أربعة دولارات، بينما طلب آخرون ثلاثة دولارات.
وأشار إلى أنه تمكن مؤخرًا من الاتفاق مع أحد أصحاب الجرارات على حراثة أرضه مقابل 250 ليرة سورية جديدة للدونم الواحد، أي ما يعادل 25 ألف ليرة بالعملة القديمة.
وللتعامل مع ارتفاع النفقات، استخدم سلمان 15 كيلوغرامًا من البذار في الدونم الواحد، وهي كمية وصفها بالمحدودة، موضحًا أن قلة البذار المتاحة لديه دفعته إلى تقليل الكمية حتى يتمكن من تغطية مساحة الأرض التي يريد زراعتها.
ارتفاع المحروقات يحد من خفض أجور الحراثة
بدوره، قال علي الخلف، وهو أحد أصحاب الجرارات الزراعية في ريف الحسكة، لعنب بلدي إنه يحاول مساعدة الفلاحين قدر المستطاع عبر تخفيض أجور الحراثة، لكنه يواجه ارتفاعًا في تكاليف التشغيل والصيانة.
وأوضح الخلف أنه يشتري ليتر المازوت المستخدم في تشغيل الجرار مقابل 175 ليرة سورية جديدة، 17,500 ليرة بالعملة القديمة، لافتًا إلى أن تكاليف المحروقات وتبديل الزيت المتكرر والأعطال الدائمة التي تعاني منها الجرارات تثقل كاهله.
وأشار إلى أنه خفّض أجور الحراثة إلى الحد الأدنى الذي يستطيع تحمله بالنسبة إلى الأراضي البعلية، محددًا الأسعار وفق نوع العمل المطلوب.
ويبلغ أجر حراثة الدونم الواحد باستخدام “الهارو” بوجه واحد 200 ليرة سورية جديدة، ويرتفع إلى 300 ليرة عند الحراثة بوجهين، بينما يصل إلى 400 ليرة عند استخدام “الديسك” مع وجه من “الهارو”.
وقال الخلف، إنه لا يستطيع خفض الأسعار أكثر من ذلك، لأن تخفيضها إلى مستويات أدنى سيعني تكبد خسائر، في ظل ارتفاع تكاليف الوقود والصيانة.
أسعار البذار تختلف بحسب النوع والجودة
في سوق مشيرفة للحبوب بمدينة الحسكة، تتفاوت أسعار بذار القمح والشعير بحسب النوع والجودة، بالتزامن مع بدء المزارعين تأمين احتياجاتهم للموسم الشتوي.
وقال عمر الأحمد، وهو أحد تجار البذار في السوق، لعنب بلدي إن تأمين بذار القمح والشعير والمحاصيل الشتوية الأخرى يجري هذا العام وسط ارتفاع الأسعار وتعدد التكاليف التي يتحملها الفلاح قبل وصول المحصول إلى مرحلتي الحصاد والتسويق.
وأوضح أن سعر طن القمح الطري يبلغ نحو 375 دولارًا، تضاف إليه قرابة 25 دولارًا مقابل فرز البذار وتعقيمها، لتصل التكلفة الإجمالية إلى نحو 400 دولار للطن.
أما القمح القاسي، فيبلغ سعر الطن منه نحو 400 دولار، تضاف إليه 50 دولارًا مقابل الفرز والتعقيم، ما يرفع التكلفة الإجمالية إلى نحو 450 دولارًا للطن.
وبالنسبة إلى الشعير، تتراوح الأسعار بين 250 و275 دولارًا للطن الواحد، بحسب النوع والجودة.
وتختلف النفقات التي يتحملها المزارع بحسب نوع البذار والكمية المطلوبة، إلى جانب تكاليف حراثة الأرض وتجهيزها. ويحتاج الفلاح إلى تأمين هذه المبالغ في بداية الموسم، قبل أن تتضح نتائج الزراعة وحجم الإنتاج المتوقع.
ولفت الأحمد إلى أن عددًا كبيرًا من فلاحي المحافظة لا يزالون ينتظرون صرف مستحقاتهم عن الموسم الزراعي الماضي، ما يضعهم أمام الحاجة إلى تأمين السيولة اللازمة لشراء البذار والبدء بأعمال الحراثة.
وتأتي هذه الحاجة في مرحلة لا يستطيع فيها المزارع تأجيل جميع النفقات إلى حين تحسن وضعه المالي، لأن بدء البذار وتجهيز الأرض يرتبطان بمواعيد الموسم الزراعي والظروف المطرية.
موسم وفير لا يضمن انخفاض التكاليف
بلغ إنتاج القمح الذي جرى تسويقه في محافظة الحسكة خلال موسم 2026 نحو 1.16 مليون طن، لتتصدر المحافظة بذلك المحافظات السورية في إنتاج وتسويق المحصول.
وعلى مستوى سوريا، تسلمت المؤسسة السورية للحبوب نحو 2.75 مليون طن من القمح، مقابل احتياج محلي قُدّر بنحو 2.55 مليون طن، أي بفائض يقارب 200 ألف طن.
وساهمت الأمطار الوفيرة خلال الموسم الماضي في تحسين إنتاجية الأراضي وخفض الحاجة إلى الري في مساحات واسعة من الأراضي البعلية، ما انعكس على حجم المحصول وتكاليف إنتاجه.
وقال المهندس الزراعي عبد الرحمن الحسن لعنب بلدي إن ارتفاع الإنتاج في الموسم الماضي لا يعني بالضرورة انخفاض الأعباء على المزارعين في الموسم الحالي.
وأوضح أن الفلاح في الحسكة بدأ دورة إنتاج جديدة بتكاليف متعددة، في مقدمتها تأمين البذار ثم تجهيز الأرض، مشيرًا إلى أن نجاح الموسم الزراعي في ظل اعتماد مساحات واسعة من أراضي المحافظة على الأمطار يرتبط بمعدلات الهطول وتوزعها خلال مراحل نمو المحاصيل، إلى جانب قدرة المزارعين على تأمين مستلزمات الإنتاج في الوقت المناسب.
وأضاف الحسن أن أسعار البذار في بداية الموسم تشكل مؤشرًا أوليًا إلى حجم التكاليف التي سيواجهها الفلاح خلال الأشهر المقبلة، بينما ستكون الظروف المطرية عاملًا حاسمًا في تحديد حجم الإنتاج النهائي والجدوى الاقتصادية للموسم بالنسبة إلى المزارعين.
وتبدأ الأعباء المالية مع شراء البذار وحراثة الأرض، لكنها تستمر خلال مراحل نمو المحاصيل، وصولًا إلى الحصاد والتسويق. وفي الأراضي البعلية، ترتبط فرص تحقيق إنتاج جيد أيضًا بكميات الأمطار وتوقيت هطولها.
وبالنسبة إلى المزارعين الذين بدؤوا البذار هذا العام، يبقى تحقيق إنتاج وفير قادر على تغطية النفقات وتعويض تكاليف الزراعة هدفًا أساسيًا، في ظل ارتفاع الأسعار والحاجة إلى تأمين السيولة اللازمة لبدء الموسم، قبل اتضاح نتائج المحصول المقبل.