أثار تجريف تل أبو قبيع الأثري في ريف الرقة جدلاً بين أهالي المنطقة، وسط مطالبات بوقف التعديات على المواقع الأثرية ومحاسبة المسؤولين عنها، في وقت حذّر فيه مختصون من اتساع ظاهرة تجريف المواقع ونهب الآثار، ودعوا إلى تعزيز حماية التراث السوري وتطبيق القوانين ذات الصلة.
وقال أهالٍ في المنطقة إن أشخاصاً كانوا يعملون على تجريف الموقع ادعوا أن العملية تهدف إلى إقامة موقع عسكري، في حين طالب السكان مديرية الآثار بالتدخل لوقف الأعمال.
تجريف نحو 60% من الموقع
قال مدير الآثار والمتاحف في الرقة، عبد الجبار العبد الله، في برنامج "سوريا اليوم" الذي يعرض على تلفزيون سوريا، إن الموقع تعرض للتجريف بنسبة تقارب 60%، بينما بقي نحو 40% منه قائماً، مرجحاً أن تكون العملية قد نُفذت على مراحل خلال ساعات الليل.
وأوضح العبد الله أنه توجه إلى الموقع فور ورود المعلومات، لكنه أشار إلى عدم التعرف إلى الأشخاص الذين نفذوا التجريف حتى الآن، وعدم وجود أدلة مؤكدة بشأن هويتهم أو ما إذا كانوا يرتدون زياً عسكرياً.
وأضاف أن بعض الروايات تحدثت عن ارتداء الأشخاص الزي العسكري، في حين نفت روايات أخرى ذلك، مؤكداً أن مديرية الآثار لم تشاهد المتورطين بصورة مباشرة، وأن الملف أُحيل إلى وزارة الداخلية.
وأشار إلى أن محافظ الرقة على علم بالحادثة، وأنه من المقرر أن يزور الموقع، لافتاً إلى أن المديرية تعتزم متابعة الملف مع وزارة الداخلية والمحامي العام.
تعديات متكررة ونقص في الحماية
أوضح العبد الله أن محافظة الرقة شهدت خلال الأشهر والسنوات الماضية تعديات على عدة مواقع أثرية، من بينها تل البيعة وتل أبو قبيع، مشيراً إلى أن المديرية لا تستطيع مراقبة جميع المواقع وحمايتها بالكوادر المتوفرة لديها.
وعزا ذلك إلى اتساع المساحة الجغرافية للمحافظة، ونقص الحراس والكوادر، ووجود الألغام في بعض المناطق، فضلاً عن بُعد مواقع أثرية وصعوبة مراقبتها بصورة مستمرة.
ولفت إلى وجود تنسيق مع وزارة الداخلية، لكنه أكد أن حماية المواقع تحتاج إلى مزيد من الدعم والموارد اللوجستية، إلى جانب تطوير الكوادر وتدريبها. وأضاف أن بعض الطلبات تُلبّى، في حين يؤجل بعضها الآخر بسبب التعقيدات المالية.
وأشار إلى أن المديرية تعمل على التنسيق مع جهات خارجية ومنظمات، بينها اليونسكو ومتاحف عالمية، لتدريب الكوادر وتحسين القدرة على حماية الإرث الأثري.
تحذيرات من تجريف المواقع الأثرية
من جانبه، وصف الأكاديمي والباحث المختص بالآثار السورية عدنان المحمد لتلفزيون سوريا، تجريف المواقع الأثرية باستخدام الجرافات والآليات الثقيلة بأنه عملية تدميرية شاملة، لأنها لا تقتصر على إزالة أجزاء محدودة من الموقع، بل قد تؤدي إلى تدمير طبقاته الأثرية بالكامل خلال وقت قصير.
وقال المحمد إن ما حدث في تل أبو قبيع يأتي في سياق تعديات سابقة شهدتها مواقع أثرية سورية، محذراً من تحول هذه الممارسات إلى ظاهرة تطال مزيداً من المواقع.
وأشار إلى حادثة تجريف تل الشيخ علي في سلمية، معتبراً أن عدم اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين في مثل هذه الحالات قد يشجع على تكرار الانتهاكات.
وأضاف أن بعض الأشخاص يدّعون امتلاك موافقات رسمية أو الانتماء إلى جهات حكومية أو أمنية، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن استغلال أسماء مؤسسات الدولة لتنفيذ أعمال غير قانونية.
ووصف المحمد هذه الممارسات بأنها جرائم متعددة الجوانب، تشمل الاعتداء على المواقع الأثرية وانتحال صفة جهات رسمية، داعياً إلى تطبيق قانون الآثار والقانون الجنائي السوري بحق المتورطين.
دعوات إلى تعزيز الإجراءات القانونية
دعا المحمد إلى إنشاء فرع متخصص في مكافحة التنقيب غير المشروع عن الآثار وتهريبها ونهبها، على غرار الفروع المعنية بمكافحة أنواع أخرى من الجرائم، معتبراً أن وجود جهة متخصصة يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط عن وزارة الداخلية وتحسين حماية المواقع الأثرية.
وشدد على أهمية إجراء تحقيقات شفافة في حوادث التجريف، وإطلاع الجمهور على نتائجها، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين، بما يشمل توقيفهم وإحالتهم إلى القضاء عند ثبوت مسؤوليتهم.
كما انتقد بطء الإجراءات المتبعة في التعامل مع الانتهاكات، موضحاً أن التقارير تنتقل من مديريات الآثار في المناطق إلى الإدارة المركزية في دمشق، ثم إلى وزارة الثقافة، التي تتواصل بدورها مع وزارة الداخلية، وهو ما قد يؤدي إلى تأخير الاستجابة.
واقترح فصل السلطات الأثرية عن وزارة الثقافة، وتحويلها إلى هيئة أو وزارة مستقلة، معتبراً أن ذلك قد يساعد على تعزيز استقلالية العمل الأثري وتسريع التعامل مع المخالفات.
وأكد أن حماية التراث السوري مسؤولية عامة، وأن مكافحة نهب الآثار ينبغي أن تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به مكافحة الجرائم الأخرى، محذراً من أن استمرار الاعتداءات قد يؤدي إلى خسارة أعداد كبيرة من المواقع الأثرية.
إشكالية العلاقة بين المواقع الأثرية وملكية الأراضي
تطرق المحمد إلى العلاقة بين المواقع الأثرية وملكية الأراضي، مشيراً إلى أن بعض المواقع تقع ضمن أراضٍ مملوكة لأفراد، وقد ينظر بعض المالكين إلى وجود الموقع الأثري باعتباره عائقاً أمام الاستفادة من أراضيهم.
ورأى أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب تطوير السياسات المتعلقة بتعويض أصحاب الأراضي وإشراك المجتمعات المحلية في الاستفادة من التراث، إلى جانب تطوير القوانين وتحسين إدارة المواقع الأثرية.
كما أشار إلى ضرورة تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة واحترام الصلاحيات القانونية للجهات المختصة بالآثار، قائلاً إن قانون الآثار يمنح السلطات الأثرية صلاحيات تتعلق بالترخيص للحفر والتنقيب والترميم واستثمار المواقع وفق الأصول القانونية.
الحاجة إلى مزيد من الدعم
في حديثه عن إمكانات مديرية آثار الرقة، أكد العبد الله أن حماية المواقع الأثرية والإشراف عليها من أولويات عمل المديرية، لكنه شدد على أن نقص الكوادر والإمكانات المالية والحراسة يحد من قدرتها على أداء هذه المهام.
وأضاف أن المديرية تحتاج إلى مزيد من الدعم والتدريب والخبرات، مشيراً إلى أن هذه التحديات لا تقتصر على قطاع الآثار وحده، بل تواجه مؤسسات أخرى في المحافظة.
وتسلط حادثة تجريف تل أبو قبيع الضوء على التحديات التي تواجه حماية المواقع الأثرية في الرقة، في ظل اتساع الرقعة الجغرافية ونقص إمكانات المراقبة، والمطالبات بتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية وتسريع الإجراءات القانونية لمنع تكرار الاعتداءات على التراث السوري.