يرى المحللون أن الرهان الاقتصادي لسوريا لا يرتكز على إحداثياتها الجغرافية فحسب، بل على مدى نجاعتها في تحويل هذه الميزة إلى محرك للتبادل التجاري، وجذب رؤوس الأموال، وتحفيز الإنتاج، وخلق فرص العمل. وفي سياق تتسم فيه فجوة التمويل اللازمة لإعادة الإعمار بالعمق، ويواجه فيه الناتج المحلي الإجمالي تراجعاً، يبرز ضرورة صياغة إطار اقتصادي يوظف الموقع الاستراتيجي ويكفل بيئة تنافسية عادلة كشرط أساسي للخروج من مرحلة التعافي.
الموقع استثمار
في حديث أدلى به لصحيفة «الوطن»، شدد الدكتور ذو الفقار عبود، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة اللاذقية، على أن الموقع الجيوسياسي لسوريا يحمل إمكانات هائلة لتصبح رافعة اقتصادية، وذلك من خلال الاندماج الفعّال في شبكات التجارة والطاقة الإقليمية. وأوضح أن البلاد تتمتع بموقع فريد يربط بين منطقة الخليج وتركيا وأوروبا، إضافة إلى امتلاكها سواحل وموانئ على البحر المتوسط، مما يمنحها أفضلية لوجستية يمكن استثمارها.
ولفت عبود إلى أن تعزيز دور سوريا كممر لنقل السلع، إلى جانب إحياء النشاط في قطاعات النفط والغاز، والتركيز على مشاريع الطاقة المتجددة، تعد خطوات جوهرية لتفعيل هذه الميزة. إلا أنه حذر من أن أثر هذه الخطوات سيبقى محدوداً ما لم يتم معالجة أوجه القصور في البنية التحتية، وتهدئة التوترات الإقليمية، وإتمام عملية الاستقرار المؤسسي.
السوق والشراكة
اعتبر عبود أن النموذج الاقتصادي الأمثل لسوريا لا ينبغي أن يكون سوقاً حرة بلا قيود، ولا اقتصاداً موجهاً مركزياً، بل يجب أن يتبنى نهجاً تشاركياً. وفي هذا النموذج، يتصدر القطاع الخاص مشهد الإنتاج والنمو، بينما تضطلع الدولة بدور المنظم والرقابي، مع الحرص على توفير الحماية الاجتماعية للمواطنين.
وأضاف أن أهمية هذا التوجه تزداد في ضوء حقيقة أن أكثر من 90 بالمئة من النشاط الاقتصادي يتكون من مشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة. وأكد أن الدولة بمفردها لا تستطيع تحمل عبء تشغيل هذه المشاريع، في حين أن تركها لسوق غير منظمة قد يؤدي إلى تفاقم الاختلالات الاقتصادية.
قبل تحرير الاقتصاد
حذر الخبير من الوقوع في فخ تكرار أخطاء تجربة اقتصاد السوق الاجتماعي السابقة، حيث لم يرتبط تحرير الاقتصاد آنذاك بوجود مؤسسات رقابية قوية، أو قضاء مستقل، أو منافسة عادلة. ونتيجة لذلك، تمكنت النخب المرتبطة بالسلطة السابقة من الاستحواذ على المكاسب على حساب القطاعات الإنتاجية الحقيقية.
وشدد على أن الأولوية القصوى يجب أن تكون للإصلاح التشريعي والمؤسسي، وضمان تكافؤ الفرص، بالتوازي مع عملية تحرير تدريجي ومدروس للاقتصاد، وإرساء شراكة حقيقية مع القطاع الخاص المنتج.
وفي الختام، خلص إلى أن تحويل الجغرافيا السورية إلى منصة اقتصادية ناجحة لا يتحقق بمجرد امتلاك الموقع والممرات، بل يتطلب وجود مؤسسات فاعلة، واستثمارات ذات قيمة مضافة، وسياسات تضع توليد فرص العمل وتعزيز الإنتاج في صدارة أولوياتها.