هو الذي رأى كل شيء ـ رحلة بصرية عبر الذاكرة وما تركه الزمن من أثر» هو عنوان المعرض الفردي للتشكيلي العراقي باسم مهدي، الذي أقيم في غرب لندن بين 23 و28 أكتوبر/تشرين الأول، وضم 14 قطعة فنية منفذة بالألوان الزيتية على القماش، وبمقاسات مختلفة، حملت عناوين: «ما ليس حلوا»، «الجانب الآخر من الحنين»، «حلم يقظة»، «الوريث»، «المشيئة والمشيمة»، «واقع حال»، «طروادة مرة أخرى»، «AI وما بعد»، «شهيق جماعي»، «النداء الأخير»، «هي التي رأت كل شيء»، «تحول»، «الأفق مزدحم»، و«حامل الذاكرة». درس باسم مهدي الفنون التشكيلية في معهد الفنون الجميلة في بغداد، واختص في الرسم. وبعد هجرته واستقراره في لندن، أكمل دراسته الأكاديمية، وحصل على درجة الماجستير في الفنون التشكيلية والتصميم الغرافيكي من جامعة متروبوليتان في لندن، حيث يقيم حاليا. وهو مؤسس ورئيس جمعية التشكيليين العراقيين في بريطانيا، التي تأسست عام 2008، ومؤسس ومدير أكاديمية الفنون والتراث العربي في بريطانيا، التي أسسها عام 2016. وله معارض شخصية ومشاركات داخل العراق وخارجه. وبمناسبة هذا المعرض، كانت لنا معه هذه المقابلة.
*دعنا نبدأ من عنوان معرضك الفردي وتفكيك حمولاته الفلسفية والأدبية على وجه الخصوص، هل نبدأ من استحضار ملحمة كلكامش واستلهامها في عملك الفني؟! ـ بالتأكيد، لا يمكن المرور بهذا العنوان من دون استحضار ملحمة كلكامش وما تحمله من أبعاد فلسفية وإنسانية، لكنني لم أتعامل معها بوصفها موضوعاً أعيد تصويره، وإنما بوصفها مدخلاً إلى سؤال إنساني يتجاوز زمن الملحمة وحدود شخصياتها. فـ»هو الذي رأى كل شيء» في تصوري ليس شخصاً بعينه، بل قد يكون أي إنسان مرّ بتجارب كثيرة، وعاش تحولات الحياة وتناقضاتها، وحمل في ذاكرته صوراً لا تغيب. هو الإنسان الذي عرف الفرح والحزن، والحرب والسلام، والرحيل والانتظار. ومن هنا جاء المعرض محاولةً لقراءة الإنسان من خلال ذاكرته وتجاربه، وما يتركه الزمن في داخله من آثار. فالذاكرة بالنسبة لي ليست مجرد استعادة للماضي، بل حضور مستمر يعيد تشكيل علاقتنا بالحاضر، ويؤثر في الطريقة التي نرى بها العالم. ولعل السؤال الذي يشغلني ليس كم رأينا من الأشياء، بل كم أدركنا مما رأيناه؟ فبين ما تراه العين وما يحتفظ به الوعي تتشكل حكايات الإنسان التي لا يرويها الزمن كاملة. لهذا لا أسعى في أعمالي إلى تقديم إجابات جاهزة، بل إلى إثارة الأسئلة، وترك مساحة للمشاهد كي يكتشف شيئاً من حكايته الخاصة داخل العمل الفني. *هناك حضور قوي في أعمالك في هذا المعرض، فنياً، للسريالية وبالطبع مدارس فنية أخرى مثل التعبيرية، هل كانت هي الأنسب لمقاربة المحتوى الذي رغبت في تضمينه إطار عملك الفني؟ ـ صحيح، فالسريالية التعبيرية كانت حاضرة في بداياتي الفنية، لكن الوصول إلى هذه اللغة البصرية لم يكن خياراً عابراً، بل جاء نتيجة رحلة من البحث والتجريب، حتى وجدت فيها ما ينسجم مع طبيعة رؤيتي الفنية وطريقتي في التعبير. ومنذ ذلك الوقت، لم أشعر بالحاجة إلى تغيير هذا الأسلوب بقدر ما كنت معنيّاً بتطوير الموضوعات والأفكار التي أتناولها من خلاله. فالتجربة الفنية، في اعتقادي، لا تُقاس بالانتقال من أسلوب إلى آخر، وإنما بقدرة الفنان على اكتشاف آفاق جديدة داخل لغته الخاصة. لقد اتسعت الموضوعات التي تشغلني، من قضايا الوطن والاغتراب والذاكرة إلى تناقضات الحياة وأسئلة الوجود الإنساني، لكن الأسلوب ظل اللغة التي أستطيع من خلالها التعبير عن تلك التحولات. وأجد في المزج بين الواقع والخيال إمكانية للكشف عن جوانب قد لا تستطيع الصورة المباشرة التعبير عنها. فأحياناً يكون الواقع نفسه أكثر غرابة من الخيال، وتصبح إعادة تشكيل عناصره وسيلة للاقتراب من حقيقته، لا للابتعاد عنها. لذلك لا أتعامل مع الأسلوب بوصفه قالباً يقيّد الفكرة، بل لغة بصرية أستطيع من خلالها أن أمنح الموضوع أبعاده الإنسانية والفكرية، وأترك للمتلقي حرية التأويل واكتشاف المعنى. أنا لا أبحث عن أسلوب جديد لكل فكرة، بل عن معنى جديد تستطيع لغتي الفنية أن تكشفه. *أخيراً وليس آخراً: هل رأيت كل شيء؟ ـ لو كنت قد رأيت كل شيء، لما بقي لديّ ما أرسمه! لا أعتقد أن إنساناً يستطيع أن يرى كل شيء، فالحياة أوسع من تجاربنا، وما نجهله ربما يفوق كثيراً ما نعرفه. لكنني أعتقد أيضاً أن لكل إنسان عالمه الخاص الذي رآه وعاشه واحتفظ بآثاره في ذاكرته. فهناك من رأى الحرب، ومن عاش الاغتراب، ومن اختبر الفقد والانتظار، ومن حمل معه لحظات الفرح والأمل. وكل واحد من هؤلاء يحمل حكاية تستحق أن تُروى. وأنا من خلال الفن لا أدّعي امتلاك الحقيقة، بل أحاول أن أفهم بعض ما رأيته وعشته، وأن أمنح تلك التجارب شكلاً بصرياً يتيح للآخرين أن يجدوا فيها شيئاً من تجاربهم. وربما لهذا اخترت هذا العنوان، لأنني لا أرى نفسي وحدي فيه، بل أرى الإنسان بكل ما يحمله من ذاكرة وأسئلة وتناقضات. فكلٌّ منا، بطريقته، هو الذي رأى كل شيء.