على شاطئ البحرِ الأبيض المتوسِّط، وفي بورتليجات Port lligat تحديداً، لم يكن سلفادور دالي Salvador Dali يعيشُ في منزلٍ بقدرِ ما كان يعيشُ داخلَ عالمٍ من صنعِ خياله، فهناك حوَّل الفنَّانُ أكواخَ الصيادين المتواضعة إلى متاهةٍ عضويَّةٍ تُشبه أعماله السرياليَّة. وبين ضوءِ رأسِ كاب دي كروس Cap de Creus القاسي، والصخورِ التي نحتتها الطبيعةُ على ساحلِ كوستا برافا في أقصى الشمالِ الشرقي لإقليمِ كاتالونيا الإسباني، وجدَ دالي مصدرَ إلهامه الأكثر صدقاً، فالمكانُ لم يكن خلفيَّةً لفنَّه، بل كان بحقٍّ جزءاً من تكوينه. في هذا البيتِ، كانت التفاصيلُ اليوميَّةُ تتحوَّلُ إلى مادةٍ للخيال، وكان البحرُ، والضوءُ، والصخورُ تدخلُ لوحاته كما لو أن الطبيعةَ نفسها تُشاركه عمليَّةَ الإبداع. وإلى جانب زوجته جالا Gala، التي صنعت من هذا الفضاءِ ملاذاً يحمي جنونه الخلَّاق، وجدَ الفنَّانُ مساحةً يلتقي فيها الواقعُ بالحلم، ولعل هذا ما جعل أثره يتجاوزُ الفنَّ إلى الموضة: من سرياليَّةِ إلسا سكاباريلي Elsa Schiaparelli إلى خيالِ ألكساندر ماكوين Alexander McQueen حيث ظلَّ المكانُ، كما كان عند دالي Dalí، نقطةَ البدايةِ لكلِّ حلمٍ لا يُشبه سواه.
في Portlligat حيث يفتحُ البيتُ نوافذه مباشرةً على خليجٍ هادئ في أقصى الشرقِ من شبه الجزيرةِ الأيبيريَّة.. هناك، بين البحرِ والضوءِ، كان دالي يُحوِّل الصباحَ إلى بدايةٍ جديدةٍ، ويمنحُ لوحاته تلك الدقَّةَ الحالمة التي جعلت عالمه يبدو وكأنَّه يقفُ بين الواقعِ والوهم. لقد جعل الفنَّانُ من الضوءِ طقساً يومياً للإبداع، وكان يحرصُ على أن يكون من أوائلِ المستقبلين لشروقِ الشمسِ في إسبانيا. كان يؤمن بأن ضوءَ البحرِ الأبيض المتوسِّط النقي ليس مجرَّد ظاهرةٍ طبيعيَّةٍ، وإنما ولادةٌ جديدةٌ للحواسِّ والخيال. حتى تفاصيلُ منزله صمَّمها دالي لخدمةِ هذه العلاقةِ مع النور، إذ، وفي غرفةِ نومه، وضعَ مرآةً محدَّبةً بزاويةٍ دقيقةٍ مقابلَ سريره، لتلتقطَ خيوطَ الشمسِ الأولى فوق أفقِ Portlligat، وتعكسها مباشرةً على وجهه، ثم، وما إن يُوقظه الضوءُ حتى ينتقلَ إلى مرسمه المجاور حيث تغمرُ النوافذُ الزجاجيَّةُ الضخمةُ المكانَ بضوءِ الشمالِ الصافي والثابت. تابعي أيضًا زيارة إلى منزل الرسامة المكسيكية Frida Kahlo امرأة من نار وألوان
لم يكن منزلُ Port Lligat بالنسبةِ إلى سلفادور دالي مجرَّد عمارةٍ تُحيط بحياته، بل كانت كائناً حياً، ينمو معه، ويتَّسع كلّما اتَّسعت أفكاره. وعلى مدى 40 عاماً، اشترى الفنَّانُ أكواخَ الصيادين المجاورة واحداً تلو الآخر، ثم وصلَ بينها في متاهةٍ من الممرَّاتِ الضيِّقةِ المتعرِّجة، والمستوياتِ المتدرِّجة، والزوايا التي تنتهي فجأةً حتى بدا البيتُ وكأنَّه تشكَّل عضوياً من صميمِ مخيِّلته، فهو كان يؤمنُ بأن كلَّ مرحلةٍ جديدةٍ في الحياةِ تحتاج إلى خليَّةٍ جديدةٍ، أو غرفةٍ تستوعبها، لذا تحوَّلت التفاصيلُ الداخليَّة إلى امتدادٍ لسرياليَّته. وعند المدخل، كان مجسَّمُ دبٍّ قطبي محنَّطٍ بالحجمِ الطبيعي يستقبلُ الزوَّار، ويؤدي في الوقتِ نفسه وظيفةَ حاملِ المصباحِ والعصي في لعبةٍ عبثيَّةٍ بين الطبيعةِ والاستعمالِ اليومي. أمَّا الغرفةُ البيضاويَّة، فصُمِّمت بشكلٍ خاصٍّ لملهمته ورفيقةِ دربه جالا، وهي غرفةٌ دائريَّةٌ ذات صوتيَّاتٍ استثنائيَّةٍ حيث كانت الهمساتُ تُسافر على الجدران المنحنية كما لو أن المكانَ نفسه يحفظُ الأسرار.
منزلُ دالي تحوَّل تدريجياً إلى لغةٍ بصريَّةٍ، تسلَّلت إلى لوحاته. كانت صخورُ Cap de Creus الحادة بتكويناتها البريَّةِ والمشهديَّة، تظهرُ وكأنَّها امتدادٌ لعالمه الحالم، فتمنحُ خلفيَّاته ذلك الشعورَ الغامضَ الذي يتأرجحُ بين الواقعِ والوهم. كذلك كان خليجُ Portlligat بمياهه الهادئةِ، وأفقه الواضح حاضراً في أعماله مثل The Madonna of Port Lligatعامَ 1949، وThe Disintegration of the Persistence of Memory في 1952 حيث تحوَّل البحرُ إلى مسرحٍ، تتقاطعُ فوقه الرموزُ الدينيَّةُ والسرياليَّة. وكان للضوءِ حكايتُه الخاصَّةُ أيضاً، ذلك الضوءُ المتوسِّطي الكثيفُ مع الرياحِ المحليَّة. لقد كان يُحدِّد مزاجَ المشهدِ وألوانه، فيمنحُ الطبيعةَ حضوراً، يكادُ أن يكون محسوساً. بل حتى تفاصيلُ البيتِ نفسها تحوَّلت إلى رموزٍ، فالبيضةُ العملاقةُ فوق السطح، وأخرى انتشرت في أرجاءِ المنزل، استحضرت مفاهيمَ الولادةِ والتحوُّل، بينما حضرت جالا في عديدٍ من صوره، وتجربته البصريَّة، لتُصبح الحياةُ اليوميَّةُ نفسها مادةً للسرياليَّة. يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط