في نموذج اقتصادي يعرض فيه مقترض دفع فائدة أعلى، ومع ذلك يرفض المصرف إقراضه؛ المال قد لا يزال موجودًا، والرغبة في الاقتراض قائمة، لكن زيادة السعر لا تكفي حين يصعب تقدير المخاطر.
فسّر الاقتصاديان "جوزيف ستيغلتز" و"أندرو وايس" هذه المفارقة في بحثهما عن "تقنين الائتمان" (Credit Rationing)، المنشور في يونيو 1981، بأن "الفائدة المرتفعة قد تجذب مقترضين أخطر أو تشجع سلوكًا أشد مخاطرة".
لذلك قد يختار المقرض تقييد التمويل بدلًا من رفع فائدته، والفارق هنا بين ثمن المال وإمكان الحصول عليه، فقد تبقى مشروعات راغبة في التوسع، بينما تتراجع استعدادات المستثمرين لتحمل مخاطرها.
في جلسة الخميس، ظهرت فجوة، حيث ارتفعت أسعار سندات الخزانة الأمريكية وانخفضت عوائدها، بينما تعرضت أسهم الرقائق والذكاء الاصطناعي للبيع.
فهل أصبح تمويل المستقبل أقل جاذبية من الاحتماء بالحاضر؟
ماذا حدث في الأسواق؟
- تؤكد بيانات السوق حدوث هبوط واسع لم يتركز فقط في أجل بعينه، والقراءة الأرجح أن طلب الحماية من اضطراب الأسهم غلب المخاوف التضخمية التي كان يفترض أن يثيرها ارتفاع النفط، فاستعاد الدين الحكومي جاذبيته النسبية.
- ظهرت الرغبة في الحماية في شراء الدين الحكومي، بينما قادت أسهم الرقائق الخسائر، ومع ذلك، بقي "داو جونز" مرتفعًا نسبيًا، وهو تباين يستدعي الفصل بين إعادة توزيع المخاطر والتصفية الشاملة.
|
أبرز حركات الأسواق |
||||
|
المؤشر |
جلسة 21 أكتوبر |
جلسة 22 أكتوبر |
التغير |
|
|
عائد السندات لأجل عامين |
4.81% |
4.65% |
-16 نقطة أساس |
|
|
عائد السندات لأجل 10 أعوام |
5.13% |
4.96% |
-17 نقطة أساس |
|
|
عائد السندات لأجل 30 أعوام |
5.42% |
5.29% |
-13 نقطة أساس |
|
|
ناسداك المركب |
26702 نقطة |
26008 نقاط |
-2.6 % |
|
|
مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات |
11505 نقطة |
10731 نقطة |
-6.7 % |
|
|
داو جونز |
52856 نقطة |
52867 نقطة |
ارتفاع بأقل من 0.1% |
|
|
برنت |
108.82 دولار |
113.17 دولار |
+4.0 % |
|
- إن استقرار "داو جونز"، وصعود ستة قطاعات ضمن "إس آند بي 500" مقابل انخفاض خمسة، يقيدان وصف "الذعر الشامل"، والأرجح أن الأسعار تحركت في اتجاه دفاع انتقائي، مع تركز الخسائر في التكنولوجيا.
هل حرّك هوانج عش الدبابير؟
- قال "جنسن هوانج" الرئيس التنفيذي لشركة "إنفيديا" إن الطلب على شركات الحوسبة المتخصصة بالذكاء الاصطناعي قوي، لكن رأس المال المتاح لا يواكب التوسع.
- هذه الشركات، المعروفة بـ "نيوكلاود" (Neocloud)، تشتري المعالجات وتؤجر قدراتها الحاسوبية، وعليها تمويل الأصول قبل تحصيل الإيرادات؛ لذلك يمكن أن تتسع الطلبات ويتفاقم الاحتياج إلى السيولة في الوقت نفسه.
- تصريح "هوانج" كان دفاعًا عن أساسيات النشاط، ووصفه بأنه "دعوة للذعر" يتجاوز مضمونه؛ الأرجح أنه كشف للمستثمرين قيدًا ماليًا لا تبدده حكاية الطلب القوي وحدها.
- لكن المشكلة هي أن التصريح لم يصل إلى سوق مطمئنة أصلًا، حيث أعلنت "ميتا" تدفقًا نقديًا حرًا سالبًا في الربع الثالث، ورفعت الحد الأدنى لإنفاقها الرأسمالي السنوي، مع طرح فئة أسهم جديدة لتساعدها على تمويل النمو.
- بلغ التدفق النقدي الحر سالب 2.12 مليار دولار، وتوقعت الشركة بلوغ الإنفاق الرأسمالي ما بين 135 مليار دولار و145 مليار دولار خلال عام 2026. قفزت تكلفة التأمين على ديونها عقب الأخبار إلى مستوى قياسي.
- هنا يظهر السؤال الذي يضغط على التقييمات: كم سيحتاج التوسع من رأس مال إضافي؟ ومتى يولد نقدًا يكفيه؟
- إصدار أسهم لاحقًا لمستثمرين جدد قد يخفف حصة المساهمين، والاقتراض يزيد عبء خدمة الدين، ونمو الإيرادات وحده لا يقيس قدرة النشاط على سداد التزاماته وتمويل احتياجاته.
الرقائق في دائرة القلق
- تضررت أسهم الرقائق أيضًا من نتائج "لام ريسيرش"، مورّد معدات تصنيع أشباه الموصلات، فتزامن هبوطها مع إعادة تقييم كلفة البناء الحاسوبي وعوائده.
- لذلك يصعب اختزال خسائر القطاع في تصريح منفرد، أو اعتبارها دليلًا على اختفاء الطلب، وهبوط العائد يحسن حساب القيمة الحالية، لكنه لا يعوض بالضرورة تراجع تقديرات التدفقات النقدية أو تصاعد المخاطر المحيطة بتحقيقها.
- تعود هنا تفرقة تقنين الائتمان، فانخفاض العائد الحكومي لا يضمن سهولة تمويل الشركات، لأن كلفتها تشمل علاوة مخاطرة وشروطًا ائتمانية.
الحرب ترفع كلفة الانتظار
- زاد النفط حساسية المشهد، فتسوية "برنت" فوق 113 دولارًا جاءت مع تجدد الاضطرابات في الشرق الأوسط ومخاوف استئناف الضربات الأمريكية ضد إيران. وهكذا أضيف خطر الإمدادات إلى القلق المالي القائم.
- اقتصاديًا، يضغط النفط المرتفع في اتجاهين، حيث يرفع كلفة الإنتاج والتضخم، ويستنزف القدرة الشرائية، وقد تتضرر الأرباح والنمو حتى لو تأخرت استجابة السياسة النقدية، فتزداد جاذبية الحماية داخل المحافظ.
- التضخم وحده يميل إلى دفع العوائد الاسمية صعودًا، أما هبوطها بالتزامن مع النفط يرجح أن دوافع الاحتماء ومخاوف النمو كانت أقوى، لكنه لا يثبت أن السوق اطمأنت إلى التضخم أو ضمنت خفض الفائدة.
- تعزز فرضية الدفاع بمكاسب الين والفرنك وصعود قطاع المرافق، ومع ذلك، فإن تراجع الذهب يقدم اعتراضًا حقيقيًا على رواية "الهروب إلى كل الملاذات"، فالحماية نفسها كانت انتقائية، ولم تتحرك أصولها بالاتجاه نفسه.
- إذن ما شهدته جلسة الخميس كان نتاج تضافر المخاطر، حيث أدركت الأسواق أن التمويل أصبح أصعب للذكاء الاصطناعي، مع عوائد استثمار غير محسومة، وطاقة أغلى.
- يمكن لهذا المزيج أن يدفع المستثمر إلى تقليل انكشافه، قبل أن يتكون لديه يقين بشأن الركود أو مسار الحرب، دون أن يعني ذلك التخلي الدائم عن التكنولوجيا.
- إن النموذج الذي قد يحرم المقترض من التمويل لم تثبته الأسواق بعد، لكن إشارتها الأدق هي أن المال أصبح أكثر انتقائية، وأن قوة الطلب وحدها لم تعد تكفي لتبرير أي تكلفة لبناء المستقبل.
المصادر: أرقام- بيانات وزارة الخزانة الأمريكية- البيانات المالية لشركة ميتا- أسوشيتد برس- ماركت ووتش- رويترز- بزنس إنسايدر- ورقة بحثية بعنوان "Credit Rationing in Markets with Imperfect Information"