نواكشوط – «القدس العربي»: بين برنامج لم تكتمل جميع مشاريعه وآخر رصد له 115 مليار أوقية قديمة، عادت كلفة الاستثمارات العمومية وفعالية تنفيذها إلى واجهة النقاش في موريتانيا، مع إعلان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، إطلاق المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي لتحديث نواكشوط، بعد مرحلة أولى بلغت مخصصاتها 69 مليار أوقية قديمة، وأثارت انتقادات معارضة بشأن شفافية الصفقات وجودة الإنجاز، فيما كشفت بيانات المتابعة الحكومية عن تأخر بعض المشاريع وتفاوت الأرقام المعلنة بشأن حصيلتها. وجاء إطلاق البرنامج الثاني، الذي يمتد تنفيذه ستة عشر شهرا، بالتزامن مع تدشين منشآت من المرحلة الأولى، في خطوة ترفع إجمالي المخصصات المعلنة للبرنامجين إلى 184 مليار أوقية قديمة، أي نحو 460 مليون دولار، وتضع الحكومة أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على معالجة الاختلالات العمرانية والخدمية المتراكمة في العاصمة، وضمان فعالية آليات الرقابة على المشاريع العمومية. واستعرض وزير الشؤون الاقتصادية الموريتاني محمدو أحمدو لمحيميد، خلال جلسة للحكومة، حصيلة البرنامج الأول الذي استهدف مقاطعات العاصمة التسع، وشمل قطاعات التعليم والصحة والمياه والكهرباء والطرق والتجهيزات الرياضية. وبحسب الحصيلة الحكومية، شملت الإنجازات بناء وإعادة تأهيل 1335 فصلا دراسيا، وإنجاز 145.3 كيلومتر من الطرق الحضرية والدائرية، وبناء وتجهيز 18 مركزا صحيا من أصل 28 مرفقا مستهدفا، إلى جانب توسيع شبكات المياه والكهرباء والإنارة العمومية وإنشاء منشآت رياضية. غير أن مقارنة هذه الأرقام بالبيانات السابقة للجنة الوزارية المكلفة بمتابعة البرنامج تكشف اختلافات تستدعي التوضيح، خصوصا أن اجتماعا ترأسه الرئيس الغزواني في السابع من أيار/مايو الماضي تحدث عن بناء وترميم 1500 حجرة دراسية و28 مركزا صحيا، مع توقع اكتمال معظم المكونات المتبقية خلال الشهر نفسه، باستثناء توسعة محطة كهربائية كانت مبرمجة لـ آب/أغسطس. ولا تعني هذه الاختلافات بالضرورة وجود تناقض في التنفيذ، إذ قد تعكس فروقا بين المشاريع المبرمجة والمنجزة فعليا، لكنها تثير تساؤلات حول معايير احتساب الإنجاز ومدى دخول المنشآت المكتملة حيز الخدمة. وكانت اللجنة الوزارية قد أعلنت في كانون الأول/ديسمبر 2025 بلوغ نسبة إنجاز البرنامج 73 في المئة، مقابل استهلاك 62 في المئة من الآجال المحددة، قبل أن ترتفع النسبة إلى 77 في المئة مطلع كانون الثاني/يناير، ثم تتجاوز 80 في المئة منتصف الشهر نفسه. وفي الرابع من أيار/مايو الماضي، أعلنت اللجنة وصول الأشغال إلى 93.5 في المئة، مقابل استهلاك 93.7 في المئة من المدة المحددة، مع تأكيد اكتمال مكونات التعليم والطرق واقتراب انتهاء الأشغال في قطاع الكهرباء. لكن اجتماعا حكوميا ترأسه الوزير الأول في 22 تشرين الأول/أكتوبر الماضي أقر بتأخر بعض المكونات، ودعا إلى استخلاص الدروس من تجربة المرحلة الأولى وتقييم الصعوبات التي واجهت التنفيذ، بما يسمح بتجاوزها في البرنامج الجديد. ويبرز هذا التطور أهمية التمييز بين نسب التقدم المادي للأشغال، والاستلام النهائي للمشاريع، ودخول المنشآت الخدمة الفعلية، وهي مراحل لا تعني بالضرورة الشيء نفسه عند تقييم مردودية الإنفاق العمومي. وتعرض البرنامج السابق لانتقادات من أطراف معارضة وشخصيات برلمانية أثارت تساؤلات بشأن مصادر التمويل وآليات إسناد الصفقات ومطابقة بعض التجهيزات للمواصفات الفنية. وكان النائب البرلماني السابق محمد ولد محمد امبارك قد انتقد، عند إطلاق البرنامج الأول في كانون الثاني/يناير 2025، ما اعتبره غموضا في تبويب مخصصاته المالية ضمن الميزانية العامة، متسائلا عن مصدر الأموال المرصودة له، ومؤكدا أن الاعتراض لا يتعلق بمبدأ إنشاء البنية التحتية، وإنما بنوعية المشاريع وآليات تنفيذها وإسناد صفقاتها. وتجدد الجدل في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، عندما اتهم النائب عن حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل»، إسلكو ولد ابهاه، الجهات الحكومية بتقديم معلومات غير دقيقة عن مركز توجنين الصحي خلال زيارة للوزير الأول، مؤكدا أن المركز يعود إنشاؤه إلى مساعدة عراقية مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وأن التدخلات الأخيرة اقتصرت على إعادة تأهيله. وتصاعدت الانتقادات كذلك عقب الحرائق التي أصابت محطتين كهربائيتين في العاصمة خلال آب/أغسطس الماضي، عندما تحدثت منظمة «الشفافية الشاملة» عن شبهات تتعلق بمطابقة بعض الكابلات الكهربائية المقتناة ضمن صفقات البرنامج للمواصفات الفنية، فيما طالب النائب المعارض والمرشح الرئاسي السابق بيرام الداه اعبيد بتحقيق شامل يحدد أسباب الحرائق والمسؤوليات المحتملة عنها. وفي المقابل، دافعت جهات حكومية عن سلامة إجراءات التعاقد، مؤكدة أن الصفقات خضعت للمساطر القانونية والمنافسة، بينما شكلت السلطات لجنة للتحقيق في حوادث الكهرباء، وأعلنت لاحقا التوجه لتنفيذ توصياتها، دون أن يعني ذلك ثبوت الاتهامات المتعلقة بالصفقات أو مسؤولية الشركات المعنية. وتكتسب هذه الانتقادات بعدا أوسع بالنظر إلى الصعوبات التي تواجه محفظة المشاريع العمومية الموريتانية عموما، إذ كشفت الحكومة في يناير الماضي أن 57 مشروعا من أصل 106 صفقات كبرى كانت قد تجاوزت آجالها التعاقدية، بما يعادل نحو 54 في المئة من المحفظة، بينما لم تتجاوز نسبة المشاريع المنفذة دون تأخر 30 في المئة. وتشير هذه المعطيات إلى أن تحديات تنفيذ البرنامج الاستعجالي للعاصمة ليست معزولة عن إشكالات أوسع تتعلق بإدارة الاستثمار العمومي وتنسيق تدخلات القطاعات الوزارية وقدرة الشركات المنفذة على الوفاء بالتزاماتها. أما البرنامج الثاني، فتتجاوز مخصصاته المرحلة الأولى بنحو 67 في المئة، ويشمل بناء 510 فصول دراسية وثانويتين وسبع إعداديات و18 مدرسة ابتدائية وست رياض أطفال، إضافة إلى مركزين للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وداخليتين مدرسيتين. وفي القطاع الصحي، تعتزم الحكومة بناء مركز كبير للأمومة من المستوى الثالث، وأربع مصالح عصرية لاستقبال الحالات المستعجلة بالمستشفيات الكبرى، وثلاثة مراكز لتصفية الكلى، ومركز وطني للحروق البليغة، وآخر للصحة النفسية وعلاج الإدمان. كما يشمل البرنامج إنشاء 83 كيلومترا من الطرق والوصلات الحضرية وخمسة جسور مرورية، ومد 400 كيلومتر من شبكات المياه والصرف الصحي، وإنشاء 41 محطة تحويل كهربائي، فضلا عن 24 ملعب قرب، وإعادة تأهيل منشآت رياضية وعصرنة وسط العاصمة. ويعكس التركيز على الخدمات الصحية المتخصصة وشبكات الصرف الصحي ومحاور النقل محاولة للانتقال من معالجة بعض أوجه العجز الخدمي إلى تدخلات أكثر ارتباطا بالتخطيط الحضري، غير أن هذا التوجه يظل رهينا بتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة لتشغيل المنشآت وصيانتها. تحديات التوسع العمراني والضغط اسكاني وتواجه نواكشوط تحديات متزايدة بفعل التوسع العمراني والضغط السكاني وتفاوت التجهيزات بين أحيائها، في ظل استمرار الحاجة إلى استثمارات كبيرة في المياه والكهرباء والصحة والتعليم وشبكات تصريف مياه الأمطار. وبينما تراهن الحكومة على البرنامج الثاني لتحسين البنية التحتية للعاصمة، تضع تجربة المرحلة الأولى وانتقادات المعارضة مسألة الرقابة والشفافية في صدارة شروط نجاحه، خصوصا مع ارتفاع المخصصات المالية وضيق الآجال المحددة للتنفيذ. وهكذا، فإن الاختبار الذي يواجه السلطات الموريتانية لا يقتصر على إنجاز المشاريع المعلنة خلال الأشهر الستة عشر المقبلة، بل يمتد إلى إثبات قدرتها على تحويل الاعتمادات المالية إلى خدمات مستدامة، ومعالجة الاختلالات التي أظهرتها تجربة المرحلة الأولى، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى ربط الإنفاق العمومي بنتائج قابلة للقياس والمساءلة، بدلا من الاكتفاء بمؤشرات الإنجاز والتدشين.
موريتانيا ترصد 115مليار أوقية لبرنامج جديد لتحديث عاصمتها نواكشوط وسط جدل حول حصيلة المشاريع السابقة وشفافية تنفيذها
نواكشوط – «القدس العربي»: بين برنامج لم تكتمل جميع مشاريعه وآخر رصد له 115 مليار أوقية قديمة، عادت كلفة الاستثمارات العمومية وفعالية تنفيذها إلى واجهة النقاش في موريتانيا، مع إعلان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، إطلاق المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي لتحديث نواكشوط، بعد مر...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.