يبدأ الدّكتور عيد مرعي كتابه “عالَم آثار العالم القديم.. روّاده ومواقعه ومصطلحاته” ـ الصّادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب 2025ـ بتعريف علم الآثار بأنّه العلم الذي يدرس البقايا المادية التي خلّفها الإنسان في الماضي دراسة علمية قائمة على أسس ومبادئ علمية محددة، وتشمل هذه الدراسة كل ما تركه الإنسان من أشياء ومواد وأدوات صغيرة أم كبيرة، مدفونة أو ظاهرة على سطح الأرض من أبسط الأشياء إلى أكثرها تعقيداً، من أقدم المغاور والكهوف والقبور إلى البيوت والمعابد والقصور وغيرها، ومن الفخار إلى السيراميك، ومن الخاتم الأسطواني إلى النّحت والرّسم والأيقونات والمجوهرات، موضّحاً: “تمثّل هذه الأشياء حضارات قديمة بناها الإنسان على مدى قرون طويلة من الزمن.. وتعد الدراسات الأثرية المصدر الرئيس لمعرفة عصور ما قبل الكتابة والحضارات القديمة والزائلة والمزدهرة والبدائية”.
ويرجع د. مرعي بدايات ظهور علم الآثار كعلم له مبادئه وقواعده المحددة تعود إلى القرن السادس عشر الميلادي عندما بدأ علماء عصر النهضة الأوروبية ينظرون بفخر واعتزاز إلى أمجاد الإغريق والرومان، وبدأ البابوات والكرادلة والنبلاء في إيطاليا يجمع الآثار الإغريقية والرومانية، ورعاية الحفريات الأثرية للحصول على الأعمال الفنية.
أما بالنسبة إلى آثار المشرق العربي القديم، فيوضح د. مرعي: “كانت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه إرسال “فرديريك الخامس” ملك الدنمارك بعثة مؤلفة من عدد من المتخصصين عام 1961 إلى اليمن، لكن لم ينج من أعضائها إلا المهندسين “كارسين نيبور” الذي كتب عنها في مؤلفه “وصف جزيرة العرب”.
ويقدم د. مرعي في الفصل الأول لمحة موجزة عن أشهر أولئك الذين ساهموا في الكشف عن آثار الماضي، ومنهم عالم الآثار العراقي “أبو الصوف بهنام” 1931-2012، وعالما الآثار السوريان خالد الأسعد 1934- 2015 وعدنان البني 1926-2008، واللغوي والآثاري “ألبرايت وليم فوكسويل”، وشيخ الآثاريين المصريين حسن سليم 1886-1961 والآثاري الفرنسي “رينيه” 1868-1958 الذي مسح ودرس الكثير من المواقع الأثرية السورية واللبنانية وهو على صهوة الجواد، ورائدة علم آثار ما قبل التاريخ في العالم ورائدة الدعوة لتحرير المرأة في بريطانيا “غارود دوروثي أني إليزابيث” 1892-1968 .
ثمّ ينتقل د. مرعي إلى الحديث عن أشهر المدن والمواقع الأثرية في عالم الشرق القديم الأدنى والعالم الإغريقي ـ الروماني وفق الترتيب الأبجدي، يقول: “سابقاً قادت الآثار الظاهرة على سطح الأرض، والمصادفة أو القيام بمشاريع عمرانية أو ورود إشارات في نصوص قديمة، أو ذكر أسماء مدن وبلدات في أسفار العهد القديم أو كتابات المؤرخين والجغرافيين والرحالة الإغريق والرومان إلى اكتشاف كثير من المدن والمواقع الأثرية القديمة، وفي عصرنا الحاضر يمكن أن يؤدي التصوير الجوي والتصوير من الفضاء ووسائل التقانة الحديثة المتطورة جداً في مختلف ميادين العلم والتكنولوجيا، إلى اكتشاف مواقع ومدن أثرية أخرى.. الآن هناك أكثر من خمسين ألف موقع ومدينة أثرية مكتشفة في قارات العالم، ومن مختلف العصور، وهذا عدد كبير جداً يتطلب الحديث عنه موسوعات ومجلدات”، لذا يتحدث د.مرعي عن أهم تلك المدن والمواقع ولاسيما الموجودة في حوض البحر المتوسط، وفي منطقة الشرق الأدنى القديم، ومنها “إبلا” في شمال سوريا ويعرف موقعها حالياً باسم “تل مرديخ” بالقرب من بلدة سراقب السورية، و”أبو سمبل” الواقع على بعد 18 كيلومتراً شمال الحدود المصرية مع السودان، مع تقديم موجز ووصف للموقع وذكر للمراجع التي استقى منها كلّ معلوماته حول الموقع والتنقيبات الأثرية التي حصلت في كل موقع، مرفقاً كل موقع بصور خاصة به وبخرائطه وأعمال التنقيب فيه، ليتوقّف في الفصل الثّالث عند بعض المصطلحات الأثرية والتاريخية والمعمارية والفنية القديمة.
وينوّه د. مرعي بموضوع مهم جداً وهو سرقة الآثار، يقول: “على الرّغم من كل التقدم الذي حصل، ومن إشراف الدول على عمليات التنقيب الأثري التي تتم، ومن وضع القوانين الدولية التي تُحرّم الاتّجار بالآثار، فإنّ عملية نهب الآثار وسرقتها لا تزال جارية على قدم وساق”.
ويؤكّد الباحث الدكتور عيد مرعي أهمية الآثار في حياة كل بلد وشعب بالقول: “هي هوية المجتمعات والشعوب والأمم، ومن يفقد آثاره يفقد هويته، لذلك يجيب المحافظة على آثارنا إذا أردنا ألا نفقد هويتنا، ولاسيما أنها تعود إلى أقدم الحضارات التي نشأت في العالم وفي منطقتنا العربية التي تعرف عادة بأنها مهد الحضارة”.
الوطن ـ نجوى صليبه