أصبح مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات رائجًا اليوم بفضل قدرته على وضع الأسس الأخلاقية والنفعية لبناء شراكات حقيقية بين المؤسسات الربحية على وجه التحديد وبين المجتمع ومؤسساته التنموية المختلفة. وتتركز توقعات المجتمع تجاه المسؤوليات الاجتماعية بشكل عام على الشركات الكبرى بما فيها الشركات المتعددة الجنسيات وشركات المساهمة العامة والشركات العائلية الكبرى وغيرها.
ورغم أن الجامعات وتحديدًا تلك الخاصة منها ترتبط بالمجتمع ليس من باب كون أن المجتمع يمثل قاعدة مستهلكي هذه الجامعات فحسب؛ بل لأن الجامعات أيضا تخرّج كوادر فاعلة في إحداث التنمية مستقبلا ويتحدد مصير المجتمع تنمويا بشكل كبير بمدى جودة هذه المخرجات، إلّا أن ارتباطها بالمفهوم لم يُعطَ حتى الآن القدر الكافي من الاهتمام المجتمعي والرسمي. ومن الواضح أن مفهوم المسؤولية الاجتماعية للجامعات لا يحظى محليا بنفس التداول الذي يحظى به مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات وليس ذلك بسبب أن الجامعات هي شركات في نهاية المطاف تسعى لتعظيم الربح وبالتالي ينطبق عليها نفس المفهوم؛ بل لأن توقعات المجتمع تجاه الجامعات لم يتبلوَر محليًا بشكل كافٍ وواعٍ؛ فهو يضع الجامعات الخاصة في مستوى المؤسسات المدنية التي تحمل رسالة وطنية وهي التعليم ما يخفف التركيز عليها كمؤسسات ربحية تستهدف تعظيم الأرباح وتقديم خدمات للمجتمع خاضعة للتقييم ومن الممكن أن تضر بالمجتمع في حال تصرفت اداراتها بمعزل عن دراسة التأثيرات الاجتماعية لقراراتها.
من ناحية أخرى، لا تولي الجامعات موضوع المسؤولية الاجتماعية أهمية هيكلية واضحة ضمن تقسيماتها الإدارية على غرار الشركات الكبرى؛ فنجد أن معظم الجامعات تمارس أدوار المسؤولية الاجتماعية ضمن أقسام خدمة المجتمع والتعليم المستمر، وأقسام الاتصال المجتمعي والعلاقات الخارجية وغيرها من الأقسام المشابهة لها؛ مما يدل على أن الجامعات لا تزال تنظر إلى مسؤولياتها الاجتماعية من زاوية تحسين صورتها في المجتمع بأشكال وانشطة متعددة تشمل- على سبيل المثال- تنفيذ المحاضرات العامة وحملات التشجير والأنشطة البيئية والمشاركات في الفعاليات المجتمعية وعدد ساعات العمل التطوعي وغيرها من الأنشطة، أكثر من الامتثال المبني على استراتيجيات واضحة للمسؤولية الاجتماعية تتواءم مع الأُطر العالمية والمتطلبات التنموية المحلية وتواكب الأداء الذي تقدمه العديد من الشركات المحلية في مجال المسؤولية الاجتماعية؛ بما يضمن الإفصاح والشفافية والبرامج المبنية على تحليل بيئة الأعمال واحتياجات أصحاب المصلحة والشركاء، وذلك على الرغم من الأداء الجيد لبعض الجامعات الخاصة في هذا المجال.
والمسؤوليات الاجتماعية للجامعات لا تتمثل فقط في الأدوار التقليدية لبرامج المسؤولية الاجتماعية؛ بل إنها تتحدد في خصوصية المنتج الذي تقدمه للمجتمع وهي الكوادر التي ترفد بها الجامعات المجتمع بشكل سنوي؛ ما يعني ارتباط هذه المسؤوليات بجودة التعليم وجودة مخرجاتها كمنتج نهائي يحتاج المجتمع إليه ويحدد قدراتهم المستقبلية في المساهمة بالتنمية الشاملة. وتتمثل إحدى هذه المسؤوليات في قدرة الجامعات على ردم الفجوة بين مخرجاتها وسوق العمل من خلال دراسة المتطلبات المتجددة لسوق العمل وتزويد الطلاب بمهارات ومعارف تواكب هذه المتطلبات وتتجاوز مساقات التخصصات التقليدية.
وتجاوز الجامعات لأدوارها التقليدية المرتكزة على التعليم وإنتاج البحوث مدفوعة الأجر أو تلك التي تصب في مجال بحوث الترقيات إلى أدوار ترتبط بالمجتمع باعتبارها بيت خبرة يقدم خدمات استشارية طوعية للمحيط الاجتماعي الذي تنتمي إليه بالتعاون مع المؤسسات الأهلية والحكومية ومكاتب المحافظات وانشاء مراكز بحوث طوعية متخصصة في مجالات حيوية، وكراسي علمية مخصصة لتعزيز الثقافة والمجتمع والقيم والحد من الفقر، وإتاحة المزيد من المقاعد الدراسية المجانية للشباب غير القادرين على دفع تكلفتها، ودعم الشباب الموهوبين واحتضانهم، وتوجيه البحوث نحو تقديم الابتكار لحل مشكلات مجتمعية ملموسة والتجاوب بشكل سريع مع هذه المشكلات، وتوظيف الكوادر بشكل عادل وشفاف، والسعي لإزالة أي تمييز خفي يخالف المعلن عنه في مدونات السلوك وغيرها من المبادرات هي من بين تلك الالتزامات الاجتماعية التي يمكن للجامعات أن تقدمها في هذا الاطار.
وهنا يأتي أيضًا دور المؤسسات الحكومية المعنية في مساعدة الجامعات على تجويد رؤاها وبرامجها لمسؤولياتها الاجتماعية من خلال وضع المعايير الأساسية للمسؤوليات الاجتماعية للجامعات، والتركيز على التوعية بالمفهوم بين الجامعات، وإنشاء نظام تحفيز ومساعدة الجامعات على تذليل التحديات، وتكريم الجامعات الأكثر التزامًا بمسؤولياتها المجتمعية، وربما أيضًا إنشاء مؤسسة معنية بمبادرات الجامعات الاجتماعية على غرار العديد من القطاعات الأخرى.
** باحث في علم الاجتماع والمسؤولية الاجتماعية للشركات