نتحدث كثيراً عن أهمية المشروعات الصغيرة والناشئة في الاقتصاد، وعن دورها في تشجيع المبادرة وخلق الفرص وتنويع النشاط الاقتصادي، ولهذا تتركز نسبة كبيرة من السياسات والبرامج الداعمة لريادة الأعمال على السنوات الأولى من عمر المشروع، كيف يبدأ؟ وكيف يحصل على التمويل؟ وكيف يتجاوز عقبات التأسيس؟وكل ذلك مهم، لكن ربما نحتاج إلى أن نسأل سؤالاً آخر لا يحظى بالاهتمام نفسه: ماذا نريد من هذه المشروعات بعد 5 أو 10 سنوات من تأسيسها؟ليس من الضروري بالطبع أن تتحول كل بقالة أو مكتب خدمات أو مطعم صغير إلى شركة كبيرة، فالمشروعات الصغيرة لها دور اقتصادي مهم حتى إن ظلت صغيرة، لكن الاقتصادات لا تحتاج فقط إلى ولادة شركات جديدة، بل تحتاج أيضاً إلى مسار يسمح لبعض هذه الشركات بأن تنمو، وأن تتحول من مشروع يوظف عدداً محدوداً من الأشخاص إلى مؤسسة أكبر قادرة على الاستثمار والتوسع وخلق وظائف أكثر وأعلى قيمة.ومن هنا يصبح قياس نجاح بيئة ريادة الأعمال بعدد الشركات التي أُسّست فقط مؤشراً ناقصاً، فربما يكون السؤال الأكثر أهمية بعد 10 سنوات، كم شركة من تلك التي بدأت صغيرة استطاعت أن تصبح شركة متوسطة؟ وكم شركة متوسطة استطاعت أن تنتقل إلى مستوى أكبر؟خلال أكثر من 20 عاماً من العمل مع شركات ومشروعات في مراحل مختلفة من النمو، لاحظت أن الانتقال بين هذه المراحل ليس تلقائياً، فقد يكون المشروع ناجحاً، ومبيعاته في ارتفاع، ولديه عملاء جيدون وفريق عمل يتوسع، ومع ذلك يجد نفسه بعد فترة كأنه وصل إلى سقف لا يستطيع تجاوزه، وفي كثير من الحالات لا تكون المشكلة في السوق أو في نقص الفرص، بل في أن الشركة نمت أسرع من الكيفية التي تتم بها إدارتها.الشركة تكبر...لكن الإدارة تبقى كما بدأتفي السنوات الأولى يكون وجود صاحب المشروع في كل التفاصيل أمراً طبيعياً، بل إنه قد يكون أحد أهم أسباب النجاح، فهو يعرف العملاء والمورّدين، ويتابع المصروفات، ويختار الموظفين، ويتدخل في المشكلات، ويستطيع اتخاذ القرار بسرعة من دون المرور بسلسلة طويلة من الموافقات.هذه المرونة ميزة حقيقية للمشروع الصغير، وليس من المنطقي أن نطالبه منذ يومه الأول بهياكل وأنظمة تشبه تلك الموجودة في المؤسسات الكبرى، لكن ما كان مناسباً لفريق من 5 أو 10 أشخاص قد لا يكون مناسباً لشركة تضم 50 أو 100 موظف، وما يمكن لصاحب المشروع متابعته شخصياً في فرع واحد يصبح أكثر صعوبة عندما تتعدد الفروع والعملاء والمنتجات.وقد رأينا ذلك بوضوح في إحدى الشركات التي عملنا معها، وكانت تدير مجموعة من المطاعم، ووصل عدد العاملين فيها إلى أكثر من 150 موظفاً وعاملاً في تخصصات ومستويات وظيفية مختلفة، فيما انتشرت فروعها لتغطي مختلف مناطق الكويت، ورغم هذا الحجم، كان مستوى الطعام الأفضل باستمرار في الفرع الأقرب إلى منزل المؤسس، لم تكن المشكلة في الوصفة أو في توافر الموارد، بل في أن وجود المؤسس وقربه من التفاصيل كان لا يزال جزءاً من نظام ضبط الجودة نفسه، ومع اتساع الشركة، أصبح من الصعب أن يتكرر المستوى ذاته في جميع الفروع بالاعتماد على حضوره الشخصي.وهذه الحالة تختصر جزءاً مهماً من المشكلة، فقد يكبر عدد الموظفين والفروع، ويظهر الهيكل التنظيمي على الورق، وتوجد مسميات وظيفية ومديرون، لكن القرارات المهمة والرقابة الفعلية قد تظل مرتبطة بالمالك، كما تبقى أجزاء كبيرة من المعرفة موزعة بين ذاكرة أشخاص محددين، ورسائل «واتساب»، وملفات «إكسل» متفرقة، بينما تنتقل طريقة العمل من موظف إلى آخر بالممارسة أكثر مما تنتقل عبر نظام مؤسسي واضح.ومع استمرار النمو، لا تصبح المشكلة فقط أن صاحب الشركة مشغول، بل أن قدرته الشخصية على المتابعة تبدأ في تحديد أقصى حجم يمكن للشركة أن تصل إليه.وهنا تكتسب عبارة ريان ديس في معناها "كلما ازدادت قيمتك بالنسبة إلى شركتك، قلّت قيمة شركتك من دونك"، وهي المفارقة التي يصفها بما يمكن تسميته "لعنة المؤسس".فالمؤسس الذي كان في البداية مصدر السرعة والحلول قد يتحول تدريجياً إلى المحطة التي تنتظر عندها القرارات، وقد يعتقد في الوقت نفسه أنه قام بالتفويض لأنه وزع الكثير من المهام على المديرين، بينما ظل محتفظاً بالصلاحيات الحقيقية لنفسه، وهناك فارق كبير بين تفويض العمل وتفويض القرار، فمن الصعب مطالبة المدير بتحمُّل المسؤولية إذا لم تكن لديه الصلاحية الكافية لاتخاذ القرار الذي سيحاسب عليه.النمو ليس زيادة المبيعات فقطومن أكثر الأمور التي قد تؤخر اكتشاف المشكلة أن الشركة تستمر في تحقيق نمو في الإيرادات، فارتفاع المبيعات يعطي انطباعاً بأن كل شيء يسير في الاتجاه الصحيح، بينما قد تكون الصورة أقل وضوحاً عند النظر إلى الربحية وجودة النمو.فقد تفتتح شركة فرعاً جديداً وتنجح في زيادة إجمالي مبيعاتها، ثم تعتبر ذلك دليلاً كافياً على نجاح التوسع، لكن عند فصل إيرادات الفرع الجديد عن تكاليفه، وإضافة ما استلزمه من عمالة ومخزون وإيجارات ومصاريف تشغيلية وإدارية، قد نكتشف أن الشركة أصبحت أكبر من حيث المبيعات من دون أن تصبح بالضرورة أكثر ربحية.وهنا تظهر أهمية الفرق بين وجود نظام محاسبي وبين وجود معلومات إدارية تساعد على اتخاذ القرار، فالقوائم المالية قد تخبرنا بإجمالي المبيعات والأرباح والمصروفات، لكنها لا تجيب دائماً بالوضوح نفسه عن أسئلة مثل، أي الفروع يحقق عائداً أفضل؟ وأي المنتجات أكثر ربحية؟ وهل أحد العملاء يستهلك من الوقت والموارد أكثر مما يحقق من عائد؟ وهل زيادة عدد الموظفين تتناسب مع نمو النشاط؟فالمحاسبة ضرورية لمعرفة ما حدث، أما إدارة شركة في طور النمو فتحتاج أيضاً إلى معلومات تساعدها على تحديد ما الذي ينبغي أن يحدث بعد ذلك.وهذا كله لا يعني أن الحل هو تحويل المشروع الصغير إلى مؤسسة بيروقراطية، أو إغراقه في السياسات والإجراءات والتقارير، فالاحتراف لا يقاس بعدد النماذج أو الاجتماعات، وإنما بقدرة المؤسسة على العمل بكفاءة من دون اعتماد مفرط على أفراد بعينهم، ويعني ذلك أيضاً وجود مسؤوليات وصلاحيات واضحة، وعدد محدود من المؤشرات التي تساعد الإدارة على فهم الأداء، وتوثيق العمليات الأساسية، وآلية لاتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها.وربما يكون أصعب جزء في هذا التحول هو التغيير المطلوب من المؤسس نفسه، فمن بنى شركته على قدرته على التدخل وحلّ المشكلات واتخاذ القرارات سيحتاج في مرحلة معيّنة إلى إعادة تعريف دوره، من ذلك الشخص الذي يدير معظم التفاصيل إلى الشخص الذي يبني الإدارة والنظام والثقافة التي تستطيع إدارة تلك التفاصيل.وهذا لا يعني ابتعاد المؤسس عن شركته، بل انتقال قيمة وجوده من متابعة كل التفاصيل إلى بناء مؤسسة لا تتوقف جودة أدائها أو قدرتها على اتخاذ القرار على حضوره الشخصي.ولهذا، إذا كنا جادين في الحديث عن دور المشروعات الصغيرة والناشئة في الاقتصاد، فلا ينبغي أن ينتهي اهتمامنا عند تأسيسها أو تمويلها، التحدي الحقيقي هو بناء بيئة تساعد المشروع الناجح على أن يتحول إلى مؤسسة قابلة للنمو.وربما يكون علينا، إلى جانب سؤالنا المعتاد عن عدد المشروعات الجديدة التي أُسّست هذا العام، أن نطرح سؤالاً آخر، كم مشروعاً بدأ صغيراً قبل 10 سنوات، واستطاع اليوم أن يصبح شركة متوسطة أو كبيرة؟ففي الإجابة عن هذا السؤال قد نجد مؤشراً أكثر أهمية على قدرة الاقتصاد على صناعة شركات المستقبل.
ماذا لو لم تكن المشكلة في تأسيس المشروعات الصغيرة...بل في بقائها صغيرة؟
نتحدث كثيراً عن أهمية المشروعات الصغيرة والناشئة في الاقتصاد، وعن دورها في تشجيع المبادرة وخلق الفرص وتنويع النشاط الاقتصادي، ولهذا تتركز نسبة كبيرة من السياسات والبرامج الداعمة لر...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.