صورة في صحيفة أعادتني إلى حدث مرّ عليه عشرون عامًا، وارتبط بذاكرتي في مرحلة الدراسة الجامعية بجامعة السلطان قابوس. إنها صورة الوفد الطلابي المُرسل إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا في أغسطس 2006م.وبتوصيف أدق، هي إحدى الصور التوثيقية للرحلة الطلابية التاسعة لطالبات جامعة السلطان قابوس.إن الصورة في هذا السياق ليست مجرد إطار يجمع وجوهًا من الماضي؛ إنما وثيقة انفتح منها ومعها زمن كامل بأحداثه وشخوصه.لقد أعادتني تلك الصورة إلى وثائق ووجوه ومشاهد كثيرة، ووضعتني أمام سؤال مهم وملحّ: كيف انبثقت فكرة هذه الرحلة السنوية؟ وما السياق الذي دفع السلطان الراحل إلى التوجيه بأن تكون رحلةً سنويةً لطلبة الجامعة؟ ففي أحيان كثيرة، لا تُطرح الأسئلة طلبًا للأجوبة فحسب، بل رغبةً في الاقتراب من المعنى التاريخي الكامن خلف الحدث. فتلك الرحلة كانت مكرمةً من السلطان قابوس -طيّب الله ثراه- وجاءت بتوجيهات سامية من جلالته -رحمه الله- لطلبة الجامعة المجيدين أكاديميًّا وفي الأنشطة الطلابية.وقد انطلقت أول رحلة طلابية في جامعة السلطان قابوس عام 1998م، متجهةً إلى المملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العربية السورية وجمهورية تركيا. وتوالت الرحلات الطلابية بعد ذلك، وبلغ عددها حتى أغسطس 2026م سبعًا وعشرين رحلة.إن من يقرأ سيرة السلطان قابوس -طيّب الله ثراه- سيلتفت حتمًا إلى رمزية الرحلة في تكوينه الشخصي والدراسي والمؤسسي.وهنا يمكن سرد لمحة من سيرته للاقتراب أكثر من تلك الرمزية. احتضنت مدينة صلالة مولد السلطان قابوس في 18 نوفمبر 1940م. وفي سنواته المبكرة، تلقّى تعليمه في عُمان، فحفظ القرآن الكريم وتعلّم قواعد اللغة العربية والنحو وأصول الدين والفقه، ودرس المرحلة الابتدائية في المدرسة السعيدية بصلالة.وفي سبتمبر 1958م بدأت «الرحلة الأولى»، حين أرسله والده السلطان سعيد بن تيمور إلى المملكة المتحدة لمدة عامين، حيث درس في مؤسسة تعليمية خاصة في سافوك، ثم التحق بعدها في عام 1960م بأكاديمية ساند هيرست الملكية العسكرية ضابطًا مرشحًا، تخرج منها بعد سنتين لينضم إلى إحدى كتائب المشاة البريطانية العاملة آنذاك في ألمانيا الغربية، وهي (الكتيبة الأولى - الكامرونيون سكوتش رايلفز)، حيث أمضى ستة أشهر متدربًا على القيادة العسكرية.وعاد بعدها إلى المملكة المتحدة، حيث تلقّى تدريبًا في أساليب الإدارة في الحكومة المحلية، وأكمل دورات تخصصية في شؤون الإدارة وتنظيم الدولة. أما «الرحلة الثانية»، فتمثلت في الجولة التي قام بها جلالته -رحمه الله- حول العالم، واستغرقت ثلاثة أشهر، زار خلالها العديد من الدول، ثم عاد إلى صلالة في عام 1964م. وتبرز «الرحلة الثالثة» داخل الوطن، رحلة التعلم عن عُمان تاريخًا وحضارةً، وكل ما يرتبط بها من دين وثقافة وتراث.وقد أشار جلالته -رحمه الله- في أحد أحاديثه إلى أن إصرار والده على دراسة الدين الإسلامي وتاريخ عُمان وثقافتها كان له أثر عظيم في توسيع مداركه ووعيه بمسؤولياته تجاه شعبه والإنسانية عمومًا.وقد كانت تلك الرحلات الثلاث قبل تولّيه مقاليد الحكم في عُمان في 23 يوليو 1970م، واستمر حكمه خمسين عامًا حتى وفاته في 10 يناير 2020م.من هنا يمكن قراءة غايات المكرمة السامية التي خصّ بها جلالته طلبة الجامعة؛ فقد أراد لهم الاحتكاك بالعالم واختبار تجاربه عن قرب.وكانت الرحلة كذلك مكافأةً للمتفوق والمتميز، وإيمانًا من جلالته -رحمه الله- بأهمية العلم في بناء الإنسان وانعكاسه على بناء الأوطان. فالاستثمار الحقيقي في الطالب لا يقف عند ما يتلقاه في قاعة الدرس، بل يمتد إلى ما يراه ويختبره ويقارنه، وإلى الأسئلة التي يحملها معه حين يعود. وللرحلة في التاريخ الإنساني مكانة تتجاوز مجرد الانتقال من أرض إلى أخرى؛ فقد كانت على الدوام وسيلةً لاكتشاف المجهول، وطلب المعرفة، والتعرّف على الشعوب والثقافات.وفي تراثنا العربي، ارتبطت الرحلة بطلب العلم والحج والتجارة والسفارة، وأصبحت مع مرور الزمن فنًا أدبيًّا وتاريخيًّا يُعرف باسم «أدب الرحلة»، يجمع بين وصف الأماكن وتسجيل المشاهدات ورواية التجارب الإنسانية. ويبرز هنا شعرٌ للإمام الشافعي، يحفظه كل راغب في السفر:تَغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلاوَسافِر فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِتَفَرُّجُ هَمٍّ وَاِكتِسابُ مَعيشَةٍوَعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِدِوبالعودة إلى الرحلة الطلابية التاسعة لطالبات جامعة السلطان قابوس، التي جرت من 12 إلى 25 أغسطس 2006م، أستعيد أرشيفًا من الصور والمشاهد والأحداث والمشاعر.وأريد هنا استعادة بعض المشاعر، إن كان لها حقًا ذاكرة! وربما كان أول ما أود توثيقه هو الدهشة الغامرة، والإحساس بالمفاجأة، ثم الفرح بأن جهدًا مضنيًا قد أفضى إلى هذه المكافأة. كان ذلك في يوليو 2006م؛ يومها كنت في السكن الداخلي للطالبات (مجمع 5)، وفي السنة الدراسية الثالثة، وقد كنت متأخرة في بعض المواد؛ لذلك التحقت بفصل دراسي في الصيف.كان ذلك الفصل طويلًا ومرهقًا وحارًا، على الرغم من تجاوز الانقلاب الصيفي! يومها تلقيت اتصالًا من عمادة شؤون الطلبة يُبلغني باختياري ضمن الطلبة المتفوقين المشاركين في وفد الرحلة الطلابية.وأمام وقع المفاجأة قلت: «الحمد لله»، وهمهمت: «ذلك الجهاد أتى أُكُلَهُ!». لم تكن فرحتي بالاختيار فرحة سفر فحسب؛ فقد كانت لحظة شعرت فيها بأن التعب لا يذهب سدى، وأن المثابرة قد تفتح بابًا لم يكن المرء يتوقعه.ولعل هذا ما يجعل بعض الذكريات أكثر رسوخًا من غيرها، ليس لأنها تحفظ كل ما حدث، بل لأنها تحتفظ بما أحدثه الحدث في داخلنا؛ لذلك لمشاعرنا ذاكرة!على كل حال، لم تكن رحلتنا في أغسطس 2006م معزولةً عن سياقها التاريخي؛ فقد كان العالم يعيش أحداثًا صعبة ومضطربة، في مقدمتها حرب تموز، أو حرب لبنان الثانية، أو العدوان الإسرائيلي على لبنان (12 يوليو–14 أغسطس 2006م)، فضلًا عن إحباط مخطط لاستهداف طائرات عابرة للأطلسي في بريطانيا في 10 أغسطس 2006م، والتوترات الأمنية التي ألقت بظلالها على حركة السفر والطيران الدولي، وما أعقب ذلك من تشديد إجراءات أمن المطارات وتقييد حرية المسافرين.وهكذا تزامنت الرحلة مع مرحلة مضطربة كان القلق حاضرًا فيها في المشهد العالمي.ومما أتذكره جيدًا عدم السماح لنا بأخذ أي شيء في الطائرة سوى حقيبة صغيرة، أو ربما ظرف يحمل وثائقنا الرسمية، عدا ذلك يكون في الحقيبة الرئيسية التي ستذهب للشحن. ولم تكن الرحلة سهلة؛ فقد انطلقنا من مسقط إلى لندن، ثم سياتل على الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية، في رحلة استغرقت أكثر من 16 ساعة طيران. وكان لذلك القلق أثره في فقدان حقائب بعض الطالبات، كما أثّر في مجريات الرحلة أيضًا.وعلى نحو ما أتذكر، لم تُسترجع الحقائب إلا قبيل انتهاء الرحلة بأيام! وفي ذات السياق، كانت سنة 2006م حافلة بأحداث أخرى، أسترجع بعضًا منها: تولّي الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح الحكم في الكويت (29 يناير 2006م)، وغرق العبّارة «السلام 98» (4 فبراير 2006م)، وفوز مصر بكأس الأمم الأفريقية (10 فبراير 2006م)، وفيضانات أوروبا (فبراير-أبريل 2006م)، وزلزال جاوة في إندونيسيا (27 مايو 2006م)، وفوز إيطاليا بكأس العالم (9 يوليو 2006م)، وتفجيرات مومباي في الهند (11 يوليو 2006م). فكيف يمكن لصورة واحدة أن نستعيد معها أحداث سنة كاملة، بحلوها ومرّها، فرحها وبؤسها؟! حتمًا لا يمكننا فعل ذلك من دون وثيقة!أعود إلى الرحلة الطلابية وإلى سياتل، وأستعيد حدثًا مهمًا واستثنائيًّا، وهو مشاركتنا في فعالية بنادي روتاري سياتل بتاريخ 23 أغسطس، وكان موضوعها «العمل الخيري العالمي». وكانت مؤسسة بيل وميليندا غيتس إحدى المؤسسات المعنية بهذا المجال، وقد استُضفنا في الفعالية بوصفنا ضيوفًا، إلى جانب أطفال من بنغلاديش.وألقت الدكتورة رحمة المحروقية، رئيسة الوفد حينئذ، كلمةً بعنوان «المجتمع العُماني ودور المرأة في بناء الوطن» -صدر مرسوم في 18 أغسطس 2020م بتعيينها وزيرةً للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار-، وفي اللقاء نفسه، ألقى ويليام غيتس الأب كلمةً أشار فيها إلى رئيسة الوفد الطلابي العُماني، الدكتورة رحمة المحروقية، وذكر أنها كانت تساعد طلابها على الاستعداد لقيادة العالم. ولمن أراد الاستزادة، فالكلمة منشورة كاملة كوثيقة على الموقع الإلكتروني لمؤسسة بيل وميليندا غيتس.وقد توقفت طويلًا عند جملة: «الاستعداد لقيادة العالم». لم أعد أقرأها بوصفها مجاملةً قيلت في لقاء عابر، بل كإشارة إلى الثقة في قدرة الطالب العُماني على التعلم والمشاركة وصناعة الأثر. إنها صورة للتعليم حين يتجاوز تحصيل المعرفة إلى بناء الشخصية، وحين يصبح التفوق مسؤوليةً وفرصةً لخدمة المجتمع.كما أن تلك الجملة التي جاءت في تلك الوثيقة حملت معنى خفيًا ورسالة ضمنية؛ إذ تتبدّى أمامي الغاية الأسمى التي أراد جلالة السلطان قابوس -طيّب الله ثراه- أن يصل إليها طلبة عُمان جميعًا: «قيادة العالم» علمًا وخُلُقًا.فهذه هي الرسالة التي حملها العُماني عبر الزمان. وفي عهد السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- ترسَّخت تلك الرسالة، فأكدت سياسته على هذا النهج المتمثل في استمرارية الرحلات الطلابية في جامعة السلطان قابوس، لا بل توسيعها لتشمل جامعة التقنية والعلوم التطبيقية.وبالعودة إلى برنامج الرحلة الطلابية المتنوع، فقد تضمن لقاءً في جامعة واشنطن حول تعليم اللغة الإنجليزية وتعلّمها في عُمان، وزيارةً لمصنع طائرات بوينغ في إيفرت بالقرب من سياتل، ورحلةً إلى جزيرة فيكتوريا الكندية، وغيرها من الزيارات التي تنوعت بين التعلم والتواصل والترفيه.كل محطة من محطات الرحلة تركت أثرًا مختلفًا؛ فبعضها منحنا معرفةً جديدة، وبعضها قرّبنا من تجارب الآخرين، وبعضها بقي في الذاكرة على هيئة صورة أو مشهد أو عبارة.وربما لا نستعيد اليوم كل تفاصيل البرنامج، لكننا نستعيد ما صنعه فينا من فضول وثقة واتساع في النظرة إلى العالم. وبعد مرور عشرين عامًا، تكتسب الرحلة معنًى إضافيًّا؛ إذ لم تعد مجرد ذكرى شخصية، بل أصبحت جزءًا من تاريخ تجربة جامعية ووطنية تستحق التوثيق. وربما نشهد صدور كتاب توثيقي بعنوان «الرحلات الطلابية: التجربة والأثر».فقد أدركت، وأنا أحاول استعادة تفاصيل رحلة أغسطس 2006م، أن الذاكرة، مهما كانت حيّة، لا تستطيع وحدها أن تحفظ كل شيء. فبعض المشاهد تبقى واضحة، وبعضها لا يعود إلا عبر صورة أو وثيقة أو شهادة من رفيق رحلة.ومن جانب آخر، لا تعود الرحلة مجرد ذكرى من الماضي، بل تصبح جزءًا من حكاية الطموح، وفرصةً لاستعادة تجربة تستحق أن تُروى للأجيال القادمة. وفي سياق آخر متصل، إن الصور الكثيرة، لا بل الغزيرة، التي التُقطت خلال رحلتنا تلك، إضافة إلى ما نشرته الصحف عنها من أخبار، أعادني كل ذلك إلى مؤتمر دولي نظمته هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بعنوان «عُمان في الصحافة العالمية»، عُقد في أكتوبر 2016م، وكان من أبرز أهدافه دراسة الصحيفة والمحتوى الإعلامي باعتبارهما وثيقةً تاريخية تخضع للمنهج العلمي لإنتاج معرفة تاريخية توضع في بحث علمي، أو كتاب، أو مقال، أو فيلم توثيقي.وإذا كان ثمة توصيف ختامي لتلك الرحلة في داخلي، فسيكون: «أكثر من رحلة وأعمق من أثر».
في أعقاب الرحلة الطلابية التاسعة: وثائق وأحداث
صورة في صحيفة أعادتني إلى حدث مرّ عليه عشرون عامًا، وارتبط بذاكرتي في مرحلة الدراسة الجامعية بجامعة السلطان قابوس. إنها صورة الوفد الطلابي المُرسل إلى الولايات المتحدة الأمريكية وك...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.