أنغام السقاف
يبدو التعبير للوهلة الأولى كأنه قادم من أحد أفلام الخيال العلمي: «تعدين العقول».
أن تتحول ميول الإنسان ومخاوفه ونقاط تأثره إلى مادة قابلة للتحليل، ثم تستخدم للتنبؤ بما قد يقنعه، أو يدفعه إلى الاستجابة، أو يغيّر موقفه.
لكن الجزء المثير أن الأمر لم يعد خيالًا بالكامل.
ولا أستخدم «تعدين العقول» هنا بوصفه مصطلحًا علميًا مستقرًا، بل وصفًا لتحول يحدث أمامنا: من قراءة ما يقوله الإنسان، إلى استنتاج ما يكشفه سلوكه عنه.
وهنا لا تكمن المشكلة في أن المؤسسة تعرف جمهورها. فهذا جوهر الاتصال منذ بدايته، بل إن الجمهور نفسه يريد خدمة تفهم احتياجاته، ورسالة تراعي سياقه، وتجربة لا تعامله كرقم مجهول.
المشكلة تبدأ في مكان آخر.
متى يتحول فهم الجمهور من ميزة للمؤسسة إلى خطر على سمعتها؟
الحد الفاصل قد يكون أدق مما نتصور. فهناك فارق بين أن تستخدم المؤسسة معرفتها لتقدم لي ما يناسبني، وبين أن تستخدمها لتكتشف ما يجعلني أكثر قابلية للتأثير. وبين أن تعرف تفضيلاتي، وأن تعرف أي خوف أو حساسية أو توقيت قد يجعل رسالتها أكثر قدرة على دفع سلوكي في اتجاه معين.
وهذه ليست فرضية نظرية.
فدراسة منشورة في 2025 في Communications Psychology اختبرت، في سياق سياسي، رسائل صُممت لتتلاءم مع سمات شخصية المشاركين، ووجدت عبر ثلاث تجارب أن المشاركين ظلوا يرون الرسائل المستهدفة أكثر إقناعًا من غير المستهدفة، حتى مع تنبيههم إلى احتمال تعرضهم للاستهداف النفسي.
فالبيانات لم تعد تخبر المؤسسة فقط بمن أمامها؛ بل قد تساعدها على معرفة كيف تؤثر فيه.
وهنا تحديدًا تدخل السمعة إلى المعادلة.
فالمؤسسة قد تنجح اتصاليًا في الوصول إلى الجمهور، لكنها تخسر شيئًا أكثر قيمة إذا شعر بأنه لم يعد مستهدفًا برسالة تناسبه، بل برسالة تستثمر نقطة تأثر فيه.
أين ينتهي فهم الجمهور، ويبدأ استغلال معرفتنا بنقاط تأثره؟
قيمة التخصيص أنه يجعل المؤسسة أكثر فهمًا لجمهورها. خطورته تبدأ حين تستخدم هذا الفهم لا لخدمته، بل لاستثمار نقاط تأثره.
كلما ازدادت قدرة المؤسسة على معرفة جمهورها، ازدادت مسؤوليتها عن ضبط ما تفعله بهذه المعرفة.
وفي السعودية، لم يعد هذا النقاش مؤجلًا إلى المستقبل. فقد أطلقت وزارة الإعلام بالشراكة مع «سدايا» وثيقة «مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام»، التي جاءت ثمرة تعاون شاركت فيه هيئة الإذاعة والتلفزيون والهيئة العامة لتنظيم الإعلام. واللافت أن المبادئ لا تقف عند إنتاج المحتوى، بل تمتد إلى الخصوصية والشفافية، وإلى أثر الخوارزميات في ترتيب المحتوى والتوصية به وتشكيل الرأي العام.
وهذا يكشف أن المسألة لم تعد فقط: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل أين نضع حدوده حين يصبح قادرًا على التأثير؟
وهنا يتغير أيضًا موقع الاتصال المؤسسي.
فمسؤول الاتصال لم يعد معنيًا فقط بجودة الرسالة أو قدرتها على الوصول، بل بالمنطق الذي بُنيت عليه: ماذا عرفنا عن الجمهور؟ كيف عرفناه؟ ولماذا نستخدم هذه المعرفة؟
ليست القضية أن يصبح متخصص الاتصال خبير بيانات، بل أن يكون حاضرًا حين توضع حدود استخدامها؛ لأن آثارها لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالثقة والسمعة. ولهذا تصبح حوكمة البيانات جزءًا من حوكمة السمعة.
والحدود نفسها تتحرك بسرعة. ففي نوفمبر 2025 اعتمدت اليونسكو «التوصية بشأن أخلاقيات التكنولوجيا العصبية»، أول إطار معياري عالمي في هذا المجال، متناولةً قضايا الخصوصية الذهنية والبيانات العصبية والاستقلالية. وهو تطور يجعل التعبير الذي نستخدمه اليوم مجازًا، «تعدين العقول»، أقل بعدًا عن الواقع مما كان قبل سنوات قليلة.
وهذا لا يعني أن المنصات تقرأ أفكارنا اليوم. لكنه يعني أن القدرة على معرفة الإنسان والتأثير فيه تتقدم أسرع من كثير من الأسئلة الأخلاقية المحيطة بها. ومع ذلك، ليست التقنية هي المشكلة.
المشكلة تبدأ عندما نخلط بين قدرتنا على معرفة الإنسان، وحقنا في استخدام كل ما نعرفه عنه.
ولهذا قد لا تكون المؤسسات الأكثر ثقة في المستقبل هي الأكثر قدرة على تحليل جمهورها أو توقع سلوكه، بل تلك التي تعرف أين تتوقف.
في عصر الذكاء الاصطناعي، لن تُختبر السمعة فقط فيما تقوله المؤسسة، بل في الحدود التي تضعها لنفسها حين تصبح قادرة على معرفة جمهورها والتأثير فيه بدرجة غير مسبوقة.
ولهذا قد يصبح السؤال الأهم في الاتصال ليس:
كم نعرف عن جمهورنا؟
بل:
متى تصبح هذه المعرفة أكثر مما ينبغي؟
تم نشر هذه المقالة تعدين العقول.. الوجه الخفي للاتصال في عصر الذكاء الاصطناعي للمرة الأولي علي صحيفة الوئام.